الأقصى بين السرطان والوباء

الأقصى بين السرطان والوباء

الأقصى محتل منذ 53 عاماً، ومشروع تقسيمه فوق الأرض ماضٍ منذ 17 عاماً، وجماعات الهيكل التي تحمل أجندة تقسيمه هدفاً مركزياً تحتكر وزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن جهاز الشرطة منذ نحو 12 عاماً، ومن حوله قامت الهبات في 2015 و2017 و2019؛ فهل ما زال الخطر الوجودي المحدق الذي يشكله الاحتلال عليه يحتاج إلى تدليل؟

ما دام الحال كذلك، فهل يمكن أمام وباء الكورونا الذي يجتاح العالم وفلسطين أن ننظر إلى إغلاق الأقصى بعين الوقاية من الوباء فقط؟ وما هو موقف السرطان المتربص به إذن؟

في شهر 2-2020، وبينما كان الفجر العظيم في ذروته؛ كانت جماعات الهيكل تطالب بإغلاق الأقصى للوقاية من الوباء الذي لم يكن قد تفشى بعد، وكان وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان يصدر أمراً بمنع دخول فلسطينيي الضفة الغربية إلى القدس للصلاة يوم الجمعة باسم مكافحة الوباء، وحاولت شرطة الاحتلال على مدى أسبوعين أن تبقيه مفتوحاً للمقتحمين الصهاينة وأن تغلقه في وجه أصحابه المسلمين بالمقابل.

في 15-3-2020 وبعد أن أعلن مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس إغلاق المصليات المسقوفة، حاولت شرطة الاحتلال أن تتخذ ذلك ذريعةً لإغلاق معظم أبواب الأقصى وإبقاء ثلاثة منها فقط مفتوحة، فوقف لها حراس الأقصى، وأمام خوفها من التفاف الناس حولهم اضطرت للتراجع؛ لكن بعد قرار إغلاق المسجد بكامله أمام المصلين في 23-3-2020 نفذت شرطة الاحتلال ما فشلت فيه من قبل، وبقيت ثلاثة أبواب فقط مفتوحة للحراس والموظفين، وأخذت تضيّق على صلاتهم في المسجد القبلي والساحة مقابله وتلاحقها بالمخالفات، حتى باتت الجمعة والتراويح تقام اليوم بإمامٍ وصفّ من خمسة مصلين.

أما حول الأقصى فالحواجز الحديدية المتنقلة والثابتة آخذة بالانتشار، وعديد الشرطة لم يتغير، والصور الجماعية لهم بالعشرات أمام المسجد القبلي تنتشر، حتى الشرطة النسائية بقيت كثيفة في صحن الصخرة ليلاً نهاراً، رغم أن الذريعة التي كانت الشرطة تتخذها لإدخال الشرطيات لم تعد موجودة، فلم يعد صحن الصخرة مصلىً للنساء ولا حتى للرجال، فما حجة بقاء الشرطة بهذه الكثافة إذن؟ وما غايتها؟

تُرى هل من الصواب فتح الأقصى أمام المصلين؟ ومن يتحمل مسؤولية من يمرضون إذا ما انتقلت العدوى لأحدهم من الأقصى؟ ألن تستخدم سلطة الاحتلال انتقال أي عدوى داخل الأقصى عنواناً للتدخل فيه وللتغول على دور الأوقاف الذي يتعرض لاستهدافها منذ عقدين من الزمن؟ وبالمقابل؛ هل من الصواب أن يبقى الأقصى مغلقاً؟ ومن يضمن أن المحتل الذي حاول كل المحاولات أعلاه لن يحاول أن يترجم الإغلاق لصالحه؟ ومن يتحمل مسؤولية الأقصى إذن إذا ما طال الإغلاق؟ ومن يضمن أن يفتح الأقصى بشروطٍ جديدة إذا ما طال إغلاقه إلى ما بعد رمضان؟

في العام الماضي اقتحم الصهاينة الأقصى في يوم 28 رمضان لأنه وافق عيدهم المسمى "عيد توحيد القدس"، وهذه الذكرى الصهيونية ستحل في يوم الجمعة 22-5-2020؛ ماذا لو لم يُفتح الأقصى للمصلين حتى ذلك التاريخ وكان أول فتحه بيد الشرطة للمتطرفين الصهاينة في عيدهم؟ ماذا نفعل عندها؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه السابقة إن فُتِح لها المجال لتحصل؟ وماذا لو تأخر مجلس الأوقاف في إعلان فتح الأقصى وسبقته الشرطة الإسرائيلية في ذلك؟ ألن تكون قد نقلت صلاحية فتحه وإغلاقه ليدها بحكم الأمر الواقع؟

أليس الأقصى في معظم مساحته ساحةً مكشوفة؟ كم من العدد يستوعب بأقصى إجراءات التباعد؟ مساحة ساحته غير المسقوفة تقارب 130 ألف مترٍ مربع، يعني لو أعطينا للمصلي الواحد مساحة 10 أمتارٍ مربعة فهو يستوعب ثلاثة عشر ألف شخص، لنسقط من الحساب الأشجار والردم، ولنقل إنه يستوعب بالحد الأدنى نصف هذا العدد، 6,500 مصلٍ، وحينها سيكون لكل منهم هامش يزيد عن 10 أمتارٍ مربعة. لكن في الوقت عينه؛ من سيضمن الالتزام؟ ماذا إن وقفوا بصفوفٍ متقاربة؟ وماذا عن الأبواب؟ من يضمن ألا يتزاحموا عليها؟

ألا يمكن لمن صنعوا تجربة باب الأسباط في 2017، ولمن صنعوا تجربة باب الرحمة في 2019 أن ينظموا الصفوف ويضمنوا إجراءات الوقاية إن أرادوا؟ من وفروا الوجبات الساخنة لعشرات الآلاف كل ليلة عند باب الأسباط هل يعجزون عن إيصال الكمامات والمعقمات ورسم مواضع للصلاة في الساحات تضمن التباعد إذا ما حضرت إرادتهم؟ أليسوا هم من صنعوا أول تجربة صلاة متباعدة في 15 و16-3-2020 قبل أن تظهر صورها في أي مكانٍ في العالم؟

لكن مهلاً؛ ومن يضمن التزام الجميع؟ ألم تظهر بعد ذلك صور لصوف متقاربة على المصاطب في آخر فجرٍ عظيمٍ قبل الإغلاق في 20-3-2020؟ في المسجد مصلون من تيارات ومذاهب مختلفة، فهل يمكن أن نضمن التزام الجميع بذات الإجراءات في الصلاة؟

- ما بالك في هذا المقال تطرح أسئلةً ولا تقدمُ إجابات؟

- ومنذ متى كانت التحديات الجِسام تُجابَه بإجاباتٍ سهلة؟