الموسيقى للترويح عن السكان.. مبادرة انطلقت في القدس رغم آلامها

الموسيقى للترويح عن السكان.. مبادرة انطلقت في القدس رغم آلامها

"موطني موطني.. الشباب لن يكل، همه أن تستقـل أو يبيد.. نستقي من الردى ولن نكون للعدى كالعبيد.. لا نريد ذلنا المؤبدا وعيشنا المنكدا، لا نريد، بل نعيد مجدنا التليد.. موطني موطني".

هذه الكلمات المقتبسة من نشيد "موطني" للشاعر الفلسطيني الراحل إبراهيم طوقان من الطبيعي أن يسمعها الفلسطينيون في محافظات الضفة الغربية المختلفة، غير أنه من المستهجن أن تصدح بها مكبرات الصوت في العاصمة المحتلة.

لكن منذ انطلاق الشاب المقدسي موسى بزبز بمبادرته الهادفة للترويح عن السكان من خلال الموسيقى مع خضوعهم للحجر الصحي المنزلي بات من المبهج سماعها مرتين أسبوعيا.

وتابع موسى -الذي ينحدر من بلدة سلوان في القدس- المبادرات التي انطلقت في بلدان عدة حول العالم، وفيها يشد السكان من أزر بعضهم البعض من خلال الغناء والعزف والرقص على شرفات المنازل، ومع انتقال هذه المبادرة إلى لبنان والأردن وانتشار مقاطع فيديو على المنصات الاجتماعية حفزته زوجته للانطلاق بمبادرة من القدس، خاصة أنه يعمل في هذا المجال منذ نحو عقدين.
وصدح صوت سماعاته الضخمة بقصيدة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" للراحل محمود درويش، تلاها نشيد "موطني"، ثم سلسلة من الأغاني الوطنية لجوليا بطرس، واختتم تلك الليلة بأغانٍ حديثة متنوعة.من المقدسيين وإليهم
وبسبب تفشي فيروس كورونا ألغيت كافة الحفلات التي كان من المفترض أن يحييها موسى في الفترتين الحالية والمقبلة، وأصيب مصدر رزقه في مقتل، ومع حلول ذكرى يوم الأرض في 30 مارس/آذار الماضي انطلق موسى بمبادرته.

"رأيت الفرح يغمر القدس الحزينة، وأثلج صدري صعود المقدسيين إلى أسطح منازلهم وإطلالهم من النوافذ والتلويح بكشافات هواتفهم الذكية.. نجحنا في كسر الروتين اليومي القاسي بسبب الحجر الصحي، ورفعنا معنويات بعضنا البعض" يقول موسى.

ومن كافة الفئات العمرية تفاعل السكان مع النغمات الآتية من أعلى بناية عائلة بزبز في حي رأس العامود ببلدة سلوان حتى شعر موسى بأن هذه المبادرة حملته مسؤولية للاستمرار بها طوال فترة مكوث المقدسيين في منازلهم.

"تحية لكل الأطباء والممرضين وعمل النظافة في المستشفيات، تحية لكل المصابين بالفيروس القابعين في منازلهم، تحية للفلسطينيين المغتربين خارج البلاد".

عبارات ألف السكان سماعها بين أغنية وأخرى، فيقابلونها بالتصفيق والتصفير والتكبير، وبعد ثلاث إطلالات لموسى عليهم خلال أسبوع انخرط في مبادرة موحدة لبث صلوات وأدعية بلغات مختلفة لرفع الوباء والغمة.


ويوثق موسى حفلاته عبر خاصية البث المباشر على فيسبوك، ولاحظ اتساع رقعة المقدسيين المطالبين بنقل مبادرته إلى أحياء مقدسية أخرى، ولتلبية ندائهم انتقل موسى مع زميل له يعمل في المجال ذاته إلى حي الصوانة بالقدس قبل أيام، لكن انتهى الاحتفال هناك بتغريمه وصديقه 5 آلاف شيكل (1400 دولار) من قبل الشرطة الإسرائيلية، بادعاء أنهما كانا سببا في نزول سكان الحي إلى الشوارع لمتابعة الاحتفال.أدعية وتراتيل
شعر السكان لوهلة بأنهم يسيرون في أزقة البلدة القديمة بالقدس وينصتون لصوت الأذان الذي يتخلله صوت أجراس الكنائس، فمنذ تفشي كورونا لم يتمكنوا من زيارة البلدة القديمة ولا دور العبادة، لكنهم شعروا بتلك الروحانيات التي انطلقت بها مكبرات صوت الشاب المقدسي الثلاثيني.

ويضيف "اقتادونا لأحد مراكز الشرطة، وبعد ساعات وبضغط من محامينا تم تخفيض المخالفة إلى 500 شيكل (140 دولارا)، لكن ذلك لم يرهبني، وسأستمر في هذه المبادرة حتى تنتهي هذه الأزمة ويعود المقدسيون لممارسة حياتهم الطبيعية".

وتنضج الأفكار يوميا لتطوير المبادرة، وآخرها انطلاق موسى من بلدة سلوان وثلاثة زملاء له -أحدهم من رام الله والثاني من بيت لحم والثالث من بلدة العيزرية شرقي القدس- في توقيت محدد ولمدة ساعة بثوا خلالها الأغاني التراثية الفلسطينية.

ولم تخل مبادرته من انتقاد بعض السكان المتدينين بضرورة وقفها أو اقتصار البث على القرآن الكريم والأدعية والابتهالات ليرفع الله البلاء عن العباد، لكن موسى وجد أن الأغلبية العظمى تدعمه وتتعطش لسماع الأغاني الوطنية والتراثية.

وفي آخر ظهور لموسى وأثناء مرافقة الجزيرة نت له صدحت سماعاته بأغنية "زهرة المدائن" للمطربة اللبنانية فيروز، وعلى وقعها رفرف سرب من الحمام الأبيض والبني أعلى المنازل المجاورة وأطفال على الأسطح يراقبون تحليقها دون أن ينسوا رفع أيديهم للأعلى بإشارة النصر.