ابقوا في بيوتكم لكن سددوا شيكاتكم .. كيف يجتمعان ؟!

ابقوا في بيوتكم لكن سددوا شيكاتكم .. كيف يجتمعان ؟!

خاص لكرمول | تقول الحكومة: "ابقوا في بيوتكم"، وتقول سلطة النقد: "سددوا شيكاتكم"، فيَّرد الشعب: "إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".

اجتمع الشعب بكل مكوناته على السير خلف قرارات الحكومة الراشدة المستشعرة لطبيعة المرحلة وخطورتها معتبراً أن له قيادةً حكيمةً سبقت العالم في اتخاذِ قراراتٍ جريئةٍ كان من شأنها التخفيف من حدَّةِ وصول الفيروس والتخفيف من سرعة انتشار الإصابات بما يتواءم وقدرة النظام الصحي الفلسطيني على الصمود.

وهو أي الفيروس وإن وصل إلى فلسطين عبر خطأٍ حكومي متمثلٍ بوزارة السياحة التي استمرت في استقبال الوفود السياحية على الرغم من إيقاف الرحلات السياحية بكل دولِ العالم، إلا أن الشعب غضَ الطرفَ عن هذا الخلل رغم جسامته سيراً على قاعدة "أقيلوا عثرات الكرام" أي تجاوزوا عن أخطاء من اعتدتم عليه الحكمة والدراية وهو ما كان عشّمَ الشعب الفلسطيني بحكومة قائدها الدكتور محمد اشتية صاحب الخطاب الشعبوي المقرب من حاجات الناس ويدغدغ مشاعرهم فذهب ذنب وزيرة السياحة بجمال أسلوب اشتية "مسحناها بلحيته" في التعبير الشعبي.

إذن، استجاب الناس لقرارات الحكومة وساروا خلفها، أغلقوا متاجرهم، عاد العمال من الداخل بالآلاف، تعطّلت المصالح وتوقف الإنتاج وسارت سلطة النقد بذات الاتجاه وخففت على أصحاب الالتزامات سيراً مع حالة الطوارئ التي يجب أن يضحي بها الجميع أو "كلنا بدنا نتحمل" بأسلوب اشتية، ثم ما لبثت سلطة النقد أن تراجعت عن قرارها الأول وأعادت إلزام أصحاب الالتزامات بسداد التزاماتهم في الوقت المناسب والحجة على لسان اشتية "يلي معهم هم يلي بدفعوش شيكاتهم، أما يلي ما معهم بدفعوهن" وهذا الكلام إن حمل جزءً من الصحة حول بعض المقتدرين الذين لم يفوا بالتزاماتهم فهو يحمل في شقه الآخر كارثة تستطيع أن تراها في وجوه الآلاف من الذين تعطلت أعمالهم وأشغالهم وتوقف مصدر رزقهم فمن أين يأتوا بالمال ؟!

"سلطة النقد وضعت العمال بين نارين، لازم تسددوا شيكاتكم وممنوع تدخلوا جوا تشتغلوا، هذا القرار رح يجبر كل العمال يرجعوا على شغلهم ليسددوا شيكاتهم حتى لو كان في خطر على حياتهم."

هكذا ينظر للمسألة محمد جيتاوي الذي عاد من عمله بالداخل تلبيةً لنداء الحكومة، لكنه يواجه يومياً مشاكل عدة تتمثل بمطالبة أصحاب الشيكات له بتسديد قيمتهن في الوقت المحدد، ويقول جيتاوي: "صاحب الشيك المستحق لم يعد ينتظر المحكمة حتى، بل يتواصل معنا مطالباً بدفع قيمة الشيك المكتوب دون أي تأجيل".

وينهي "يا رح نقضيها بالمحاكم يا بالسجن."

وسام طقاطقة، أحد تجار الملابس في مدينة طولكرم هو الآخر تضرر من قرار سلطة النقد الأخير معتبراً أن القرار جاء لمعالجة مشكلة شريحة معينة وهي الشريحة القادرة على الوفاء بالتزاماتها، لكنها استغلت حالة الطوارئ ولم تدفع ما عليها، مؤكداً أن هذه الفئة لا تمثل جميع شرائح المجتمع.

ويقول طقاطقة:" أن هذا القرار ساوى بين الفئة المقتدرة التي استغلت حالة الطوارئ ولم تفي بالتزاماتها ببقية فئات المجتمع التي تعتمد على تغطية احتياجاتها والتزاماتها على حركة السوق المتوقفة أصلاً".

ويطرح على تجار الملابس في مدينة طولكرم بأن  يعملوا طوال الشهر وبناء على عملهم وما يجنوه من أرباح يلزموا أنفسهم بشيكات يستطيعون سدادها من ناتج عملهم محدود الدخل.

ويستكمل: " التجارة في طولكرم تعتمد بشكل كبير على فلسطينيو الداخل، الذين تم منعهم من المجيء للمدينة، لأن هذا من الممكن أن يُسرع عملية انتشار الفايروس، فبالتالي أضحى هناك تدني في معدل الأرباح لدى التجار بطولكرم، وعدم المقدرة على سداد الشيكات."

إذن، مشكلة حقيقية يعاني منها القطاع الخاص وكذلك الطبقة العاملة في الداخل المحتل الذي انقطعت بهم السبل وتوقفت مصادر دخلهم بشكلٍ شبه تام، وفي حكم المؤكد أن حل "يلي معوش يسد ييجي لعنا" الذي طرحه ملحم بأسلوب مختار القرية لن يجدي نفعاً ولا مكان له في أساليب إدارة الأزمات.

شكاوي العمال وغيرها بحاجة إلى ردٍ رسمي وتوضيح من سلطة النقد التي حاولنا الوصول إليها لكن أياً من مكالماتنا لم تجد من يفتح الخط عليها في الطرف المقابل لتبقى المسألة عالقة، سلطة النقد توعز بتسديد الشيكات في ميعادها، والحكومة تأمر العمال بعدم التوجه إلى عملهم ليستطيعوا السداد، والشعب يقول: "جهزوا لنا سجناً يتسع لنا جميعاً"!

"الشهر الثالث والرابع غير ملزمين العمال بسدادهم في الوقت الحالي نتيجة الضرر الذي وقع عليهم، وفيما لو انتهت الأزمة بعد نهاية الشهر الجاري بإمكانهم البدء في سداد شيكاتهم المستحقة لما بعد هذا الشهر أما مستحقات الشهرين الماضيين قد تكون هناك آليات للتقسيط من أجل التخفيف عليهم"

هكذا رد خالد فرحانة عضو نقابة العمال على استيضاحنا عن خطوات النقابة في دعم العمال الفلسطينيين الذين تعطلت أعمالهم في قضية الشيكات، أما بقية الخطوات فقد أوضح أيضاً أنه قد يكون هناك خطط حكومية لدعمهم من خلال برامج العمل مقابل الغذاء بالإضافة لمساعدتهم في آلية سداد مستحقات الماء والكهرباء للبلديات.

وفي حال استمرت الأزمة إلى أجل بعيد فيرى فرحانة أنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن يحدث خاصة وأننا أمام أزمة عابرة للقارات معتبراً أنه لا وجود لأي حكومة بالعالم بإمكانها أن تضع خطط فيما لو استمرت الأزمة أربع شهورٍ أخرى على حد وصفه.

هكذا هي الصورة إذن، قطاع خاص يئِن تحت قبضة الفيروس والإغلاق، وحكومة تجتهد محاولةً السيطرة على المشكلات المتشعبة التي يخلقها انتشار الفايروس، وقرارات غير مدروسة من سلطة النقد أوقعت أصحاب الالتزامات المعطلة أعمالهم في حيرةٍ من أمرهم؛ لكن للأسف سلطة النقد لم تستجب لاتصالاتنا لعل عندها جوانب لم نطلع عليها نحن !