فلسطين في الذاكرة.. نافذتنا على جيل النكبة الأول

فلسطين في الذاكرة.. نافذتنا على جيل النكبة الأول

بعيداً عن زحمة المواقع الإلكترونيّة اليوم، وفي زمنٍ كان الاتصال من المنزل بشبكة الإنترنت أمراً غير شائع، وتحديداً عام 2000، أطلِق الفلسطينيّ صلاح منصور أبو الصوص واحداً من أهم المواقع المتخصصة بذاكرة النكبة وتاريخ فلسطين الاجتماعيّ والسياسيّ، موقع "فلسطين في الذاكرة"-Palestineremembered.com. إذا كنت تذهب إلى "غوغل" للبحث عن معلومة عامّة ما، فـ"فلسطين في الذاكرة" هو "غوغل قرى فلسطين وذاكرة أهلها". يمكن القول إنّه الموقع الفلسطينيّ الأوّل الذي انفتحت عليه عيون جيل الثمانينيات والتسعينيات في بداية تحسس طريقهم على شبكة الإنترنت.

يُتيح الموقع، والذي يعمل حتى اليوم، للزائرين معلوماتٍ تفصيليّةً ومهمةً عن القُرى والمدن في فلسطين التاريخيّة، وبالأخصّ القرى المُهجّرة. لكل قريةٍ ومدينةٍ صفحةٌ خاصّة، تُعرَض فيها هذه المعلومات: موقعها الجغرافيّ، وأعداد سكانها ولاجئيها عبر السنوات، وأبرز مزروعاتها، ومساحة أراضيها، ونبذة عن احتلالها، والمستوطنات على أراضيها، وخرائطها، وصورها من الأقمار الصناعيّة، ومعرض صورٍ قديمةٍ وحديثةٍ لها. 

وقبل أن يجتاحنا زمنُ كتب الـPDF، رُفِعت على الموقع ثلاثة كتب رئيسية في النكبة، وجغرافيّة فلسطين: " لعارف العارف، و"بلادنا فلسطين" لمصطفى مراد الدباغ، و"كي لا ننسى" لوليد الخالدي. كما نشرت مقالات تأسيسيّة شارحة، وأفلام وثائقيّة تُعرّف الجيلَ الصاعدَ بقضيته الفلسطينيّة، وتُبرز مركزيّةَ اللجوء وحقّ العودة.

كان صلاح منصور، وهو من شويكة في طولكرم، يعملُ حينها كمهندسٍ إلكترونيّ في بلاد الغربة - أميركا، قد استُفِزّ لغياب الرواية الفلسطينيّة المدوّنة والتي يُمكن بها مجابهة خطاب الإنكار الصهيونيّ، خاصّة فيما يتعلق بتدمير وتهجير القرى الفلسطينيّة. وهكذا بدأ العمل على الموقع ساعياً لإبراز قضية اللاجئين، والتعريف بقراهم، وتوثيق مع حلّ بها من جرائم.

أبدى منصور حساسيةً عالية أمام أي اشتراط سياسيّ، فقرر أن يصرف على مستلزمات الموقع التنقيّة واللوجستيّة (كاميرا مثلاً)، وعلى معاشات من تفرّغوا للعمل فيه، من جيبه الخاصّ، ومن بعض التبرعات المُقدّمة عبر الإنترنت. إلى أن ساءت أوضاعه الاقتصادية، فاضطر عام 2011 إلى إيقاف أهم مشاريع الموقع

البحث عن شعب الأرض التي قالوا إنّها بلا شعب

بدأت بذرة مشروع "التاريخ الشفويّ" عام 2003، وفكرتُه أن يسير في الأرض باحثاً عن لاجئين فلسطينيّين من الجيل الأول للنكبة، أولئك الذين عرَفُوا قراهم ونسيجها الاجتماعيّ ومعالمها الطبيعيّة والتاريخيّة وأحداثها السياسيّة قبل أن يُهجَّروا منها، ويُجري معهم مقابلاتٍ موثّقة بالصوت والصّورة، ويبثّها لاحقاً عبر الإنترنت.

لأجل ذلك، وظّف فريق المشروع شبكة علاقاتهم في البحث عن كبار السّن من اللاجئين، ونسج العلاقات بين الناس في المخيّمات وفي أحياء المدن الذي سكنها أبناء المخيمات لاحقاً. ليس في مكانٍ واحد فقط، بل في ثلاثة: الأردن، وسوريا، ولبنان، وأحياناً في الضّفة الغربيّة.

كان الزمن لاعباً مهمّاً، فعند البدء بالمشروع، كانت قد مرّ على النكبة 50 عاماً، مما يعني أنّ كثيرين ممن عاصروها قد توفوا، أو ربما خانتهم ذاكرتهم. "لكن أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً"، كما يقول راكان محمود، والذي كان مديراً لمشروع "التاريخ الشفويّ" من الأردن لعدة سنوات، وأجرى أكثر من نصف مقابلاته.

وفي موضوع الزمن، كان من المُفضل أن يكون اللاجىء الذي تُجرى معـه المقابلة قد وُلِد كحدٍّ أقصى عام 1936، وبالتالي كان عمره 12 عاماً فما فوق حين وقعت النكبة، على أن لا يكون قد وُلِد قبل ذلك بكثير من السنين كي لا يعني ذلك تَقَدُّمَه الكبير في العمر وضعف ذاكرته. مع وجود بعض الاستثناءات لمن حافظوا على ذاكرتهم رغم ذلك.

راكان محمود، سكنه همُّ المشروع في حياته اليوميّة، فعلى مدار سنواتٍ من عمره كان ما إن يركب مع أي تاكسي، أو يقابل أي شخص في مكان عامٍ أو احتفالٍ ما صدفة، أو بغير صدفة، حتى يبادره بالسؤال الأهم: "من وين انت؟"، ومن ثمّ سؤاله عمّا إذا كان يعرف أبناء جيل اللجوء الأول من قريته وطرق الوصول إليهم. كان الحديث مع لاجئ ما يقود إلى لاجئ آخر من ذات القرية، أو جارتها، أو من ذات المخيّم. 

2800 ساعة

قبل إجراء المقابلة، كان على فريق العمل أن يجري زيارةً أوليّة تحضيريّة للاجئ أو اللاجئة ممن وقع عليهم الاختيار لتسجيل شهادتهم الشفويّة. الهدف تعريفه بالمشروع، ورسمُ صورة واضحة عن ذاكرة اللاجئ، وتقييم كم ونوعية المعلومات التي لديه. في الزيارة الثانية، يجري تسجيل اللقاء صوتاً وصورة. ولحسن الحظّ، أنشأ "يوتيوب" عام 2005، وبالتالي رُفعت جميع تلك اللقاءات المسجلّة وما زالت موجودة عليه إلى اليوم.

حُدِّد للمقابلات محوران مركزيّان؛ أولاً التعريف بالقرية والحياة فيها ما قبل النكبة؛ عن الموقع الجغرافيّ والعيون والوديان والجيران، وعن الزراعة والعمل والتعليم والعادات، ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. وثانياً: التاريخ السياسيّ والنضاليّ للقرية، تُركّز الأسئلة هنا على مشاركة القرية في ثورة الـ1936، وعلى مرحلة ما بعد قرار التقسيم: انسحاب بريطانيا، القلق حول المصير، بدء الاشتباكات، المعارك والثوّار، المجازر والشهداء، وصولاً إلى التهجير.

وقد صيغت الأسئلة التي توّجه للاجئ بشكلٍ ممنهج، ومن يتابع المقابلات يلحظ تطوّرها من حين إلى آخر، ويلحظ تقنيات تُستخدم في إنعاش ذاكرة اللاجىء ومحاولة تذكيره بالتفاصيل. كما يلحظ أنّ من يجري المقابلة قد حضّر لها مسبقاً، ويعرف أساسيات القرية التي جاء يسأل عنها. ويمكن مع إدمان الاستماع تعلّم مهارات نقديّة لتقييم الشهادات ودقتها.

استمرّ العمل على توثيق الشهادات الشفويّة الشخصيّة للاجئي فلسطين، من 2003 حتى 2011، العام الذي توقف فيه التوثيق نتيجة أزمة ماليّة شخصيّة لدى مؤسس الموقع. على مدار تلك السنوات، تعاقب على إدارة مشروع "التاريخ الشفويّ" خمسة متفرغين هم: غازي اللحام، وعبد المجيد دنديس، وفواز سلامة، وسعيد عجاوي، إضافةً إلى راكان محمود. وكان حصيلة عملهم مقابلة أكثر من 600 لاجئ ولاجئة من مختلف المدن والقرى

تنوّع أصحاب الشهادات ما بين عامّة النّاس ممن شهدوا تفاصيل الحياة اليوميّة، أو ممن أدّوا أدواراً اجتماعيّة  في قراهم، كمُغنّي الأعراس، والمعلمين، والمخاتير. من بين المقابلات مقابلة مع الشاعر المعروف أبو عرب عن قريته الشجرة، ومع القيادي في الجبهة الشعبيّة حمدي مطر متحدّثاً عن قريته قالونيا في قضاء القدس. وعلى قلّتها، إلا أن المشروع شمل كذلك شهاداتٍ للاجئات من المدن والقرى، أبرزهن من اللّد والرملة.

أن ترى فلسطين من عيون أهلها

يُشكّل الموقع اليوم لكثير من المهتمين منطلقاً بحثيّاً يقصدونه في كلّ مرة يتعثرون باسم قريةٍ من قرى فلسطين المُهجّرة. تزداد هذه الميّزة قيمةً إذا نظرنا إليها بعين مطلع الألفية، فقبل عشرين عاماً، وفي قحلٍ إلكترونيّ فلسطينيّ، ظهر هذا الموقع كأوّل قاعدة بيانات إلكترونيّة شاملة عن القرى المهجّرة، وفّرها جهد شعبيّ، قبل أن تفعل ذلك أي مؤسسةٍ أو جامعة.

لمّت تلك البيانات الفلسطينيّين على اختلاف قراهم، ومن شتّى أماكن لجوئهم، فكان الموقع الإلكترونيّ أشبه بـ"ديوان" يجمعهم قبل مجموعات "فيسبوك". اختير للموقع تصميمٌ بسيط يشبه نمط المنتديات الإلكترونيّة، بقي على شكله الأوّل حتى اليوم، وكما فعلت المنتديات في بداية الألفية عندما جمعت النّاس للنقاش وتبادل المعلومات، شكّل الموقع "بيتاً للفلسطينيّين على الإنترنت"، كما يقول في شعاره. فعلى مدار العقدين الماضيين، سجّل في الموقع آلاف الزوّار، أضافوا معلوماتٍ عن قراهم، أو تعرّفوا على أشخاص ظهروا في الصّور الأرشيفية على الموقع، أو اتصلوا بالقائمين عليه ليشبكوهم بلاجئ لتسجيل مقابلة معه. في أوج نشاطه (تقريباً عام 2011)، كان عدد الزوّار للموقع شهرياً أكثر من 250 ألف زائر.

أما التاريخ الشفوي، ومع كثرة وتنوّع مشاريع جمعه فلسطينيّاً، إلا أن فيديوهات "فلسطين في الذاكرة" تحتفظُ بميّزة الحميمية والبعد الشخصيّ. لا يجري الحديث هنا عن دراسة تضيعُ فيها الشهادة الشفويّة بين مصادر أخرى، إنّما عن ذاكرةٍ شخصيّة حيّة ظلّ اللاجئ مسكوناً فيها على مدار عقود. تسمع اللاجئ يتحدّث عن قريته ودمعته نافرة من عينه، تشعر بهزّة رأسه وهو يتحدث عن همّم المقاتلين فيها، وبنزعته أحياناً للصمت حزناً عندما يقترب ذكر المجازر.

وعدا عن كونها شهادةً شخصيّة، تُشكّل هذه المقابلات بعمومها، نافذةً معرفيّة ووجدانيّة على فلسطين ما قبل النكبة، ترسم لنا بلغة الفلاحين البسطاء، وبلغة من لم يعتادوا الحكاية من قبل، وأحياناً بلغة بعض من أبناء النخبة، ترسم شكل الحياة وصورتها، وتُضيء على تشكّل الهوية الفلسطينيّة؛ كيف كانت العلاقات مع اليهود، وكيف تغيّرت بعد الثورة الكبرى، الجذور الاجتماعيّة للنكبة، أسماء أبطال القرى الذين أغفلتهم الكتب، وعلقوا في ذاكرة أطفال شبّوا بعد النكبة في مخيمات اللجوء، تعرف قصة ذلك الوليّ الصالح الذي اندثر مقامه تحت أشجار الـ"كيرن كيمت"، أو التي سارت في الوديان لنقل الأسلحة إلى الثوار، أو قصة الطريق من مدرسة القرية إلى مدرسة المدينة لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ولمن يطلّ على هذه القرى، فإنّ شهادات الموقع الشفويّة تساعده في بناء علاقة وجدانيّة أصيلة مع المكان الذي محت "إسرائيل" ملامحه ودمرتها وزيّفتها. في كلّ أزور إحدى هذه القرى المُهجّرة بعد أن استمعَ إلى شهادات لاجئين منها منشورة على "فلسطين في الذاكرة"، تتردد في ذهني كلماتُهم وأبدأ بتخيل صورة المواقع والأحداث التي وصفوها. إنّه حفظ للذاكرة وامتداد لها من حدود المخيّم البعيد، وربما المُدمّر اليوم، إلى الكل الفلسطينيّ، في فلسطين، وحيث تواجد.