كورونا غزة.. يا ورد "مين يشتريك"؟ (تقرير)

كورونا غزة.. يا ورد

أتى الربيع الطلق "يختال ضاحكا من الحسن، حتى كاد أن يتكلما"، كما يقول البحتري في قصيدته الشهيرة، لكنه صادف مزارعين فلسطينيين يدوسون بأقدامهم ورودهم التي لم تجد من يشتريها.

ففي هذه الفترة من كل عام، يكون مزارعو الزهور في ذروة انشغالهم بعقد صفقات بيع إنتاجهم، الذي أينع مع حلول الربيع، متزامنا مع بدء احتفالات السكان بمناسباتهم السعيدة.

لكن جائحة فيروس كورونا أوقفت كل شيء، فلا مناسبات تقام، ولا احتفالات تنظم، ولا صفقات تعقد.

وفي محافظة رفح، يقول الشاب لَبّاد حجازي، إن أسرته تنتظر "معجزة" كي تنقذ مزرعتهم، وتنتشلهم من الورطة التي وقعوا فيها.

ويوضح حجازي،  إنهم يملكون آخر مزرعة للزهور في قطاع غزة، تمكنت من الصمود طوال السنوات الماضية.

وقبل عام 2012، كانت تنتشر في رفح نحو 500 مزرعة للزهور، تصدّر أغلب إنتاجها إلى الخارج.

لكن الحصار الإسرائيلي، الذي منع التصدير للخارج، وتوقُف الدعم المالي الذي كانت تقدمه هولندا لمزارعي الزهور، أغلق عشرات المزارع تباعا.

ولم يتبق من حقول الزهور اليوم سوى مزرعة "حجازي"، والتي تبيع إنتاجها للسوق المحلي.

إلا أن جائحة كورونا قد تتسبب بإغلاق المزرعة الأخيرة، البالغة مساحتها نحو 10 دونمات (الدونم ألف متر مربع)، والتي تأسست مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وتنتج المزرعة حاليا أصنافا تصلح للبيع في السوق المحلي، ومنها "الجوري والزنبق واللونضا والخرسيوت والقرنفل وليمونيوم (العويذران)".

ويضيف حجازي، أن والده رفض إغلاق المزرعة، وبقي صامدا في وجه المصاعب والعراقيل طوال السنوات الماضية.

لكن الشاب حجازي لم يعد واثقا بما إذا كان قرار والده هذا صائبا.

ونتيجة تداعيات كورونا، وتراجع البيع بشكل كبير، تكبدت المزرعة خسائر فاقت 150 ألف شيكل إسرائيلي (نحو 42 ألف دولار)"، بحسب قوله.

ويضيف حجازي: "كل يوم يمر تكلفته حوالي 800 شيكل، سواء كان هناك بيع أو لم يكُن، موزعة ما بين (عمال، كهرباء، مياه، مبيدات، سماد عضوي)".

وتصل تكلفة زراعة الدونم الواحد حوالي 30 ألف شيكل لجميع أصناف الورود، باستثناء "الجوري" التي تبلغ 50 ألف شيكل سنويا، كما يوضح.

ويكمل حجازي: "كنا ننتظر بفارغ الصبر قدوم موسم الربيع والصيف، الذي تزهر فيه الورود، ويزداد فيها الإنتاج والبيع في السوق بسبب عدة مناسبات، منها: الأفراح، والأعياد، والأيام الوطنية، والتي يكثر فيها الطلب على الزهور".

لكن كل شيء توقف، حتى الأفراح؛ بسبب الجائحة وما تبعها من إعلان حالة الطوارئ في فلسطين.

وأعلنت الحكومة الفلسطينية حالة الطوارئ لمدة شهر، قبل أن تمددها مؤخرا شهرا إضافيا، وتم بموجبها إغلاق صالات الأفراح والمطاعم والمؤسسات التعليمية والأسواق الشعبية والنوادي الرياضية، لأجل غير مسمى.

ويتابع حجازي "لم يعد هناك بيع للورد سوى بكميات شحيحة وثمن زهيد، لا يعوض التكاليف؛ وباتت الزهور من نصيب المواشي ومكبات النفايات".

ويشير إلى أن لإغلاق المدارس والجامعات تأثيرا كبيرا على قلة المبيعات، فكثير من الطلبة والسكان يطلبون الورود كهدايا سواء لمعلميهم أو زملائهم.

ويبيّن حجازي أنهم يقومون بعملية "تقزيم" لأشتال الزهور الناضجة، بعد أن فاتها قطار البيع، وإتلافها جميعا، على أمل أن تزهر مجددا بعد أسابيع من الآن، وتجد مكانا لها في السوق، بعد أن تنتهي الجائحة.

وفي حال استمرت الجائحة، يجيب حجازي "حينها سنكون أمام خيارين قاسيين، فإما تقليص المساحة المزروعة، أو إغلاق المزرعة".

وحتى مساء الأربعاء، وصل إجمالي المصابين 335 في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.

وتفرض إسرائيل منذ نحو 13 عاما حصارا مشددا على غزة، ما أدى إلى زيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

وقالت وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، نهاية العام الماضي، في بيان بمناسبة "اليوم العالمي للقضاء على الفقر"، إن نسبة الفقر والبطالة في القطاع، وصلت قرابة 75 بالمئة، وأن 70 بالمئة من السكان غير آمنين غذائيا.

وأوضحت الوزارة أن ذلك يرجع إلى "الممارسات الإسرائيلية العدوانية المتراكمة منذ عام 2000، وحرمان الآلاف من أرباب الأسر الفلسطينية من سبل عيشهم".