مرة أخرى ... هذه الدراما أخطر

مرة أخرى ... هذه الدراما أخطر

تواصل معي بعض الأصدقاء المحترمين يعترضون على نقدي لبعض المسلسلات الدرامية التي وُجِّهت لها تهمة التطبيع حتى قبل بثها؛ وقالوا إنهم بعد مشاهدة واحد منها تبين أنها عالجت قضية إنسانية بحتة لم تحمل مضموناً سياسياً تطبيعياً واحداً، بعكس عمل آخر فإنه قدّم مشاهد ترويج سياسي تطبيعي مباشرة أحدثت ردة فعل سالبة تجاه هذه المشاهد.

فضّلت أن يكون ردي عليه مكتوباً أحترم فيه عقله ونقده ومبلغ اجتهاده؛ أنبهه فيه إلى ما فاته في زاوية النظر النقدي؛ وقلت له إن مثال مسلسل أم هارون أخطر مرات من ذاك المسلسل الاستفزازي الذي تعامل مباشرة وبلغة حاسمة مع توجهات الفكرة السياسية التطبيعية؛ وذلك أن مسلسل أم هارون مارس عملية نفسية معقدة لإحداث التأثير المطلوب في المتلقي باستخدام أدوات ناعمة حساسة تستدعي التعاطف أو المجاملة في الحد الأدنى؛ بحيث تتسلل بخفة إلى مركز الصمود النفسي في المرء من خلال التعويد الذهني القائم على تركيز التأمل في أمر مرفوض أو ممنوع، والسماح له بالدفاع عن نفسه من خلال حوار داخلي ذاتي؛ وللتفصيل أكثر أقول:

1. يجري استدراج المرء للتأمل التركيزي عبر التكرار الدرامي والتفاعل السمعي والبصري والنفسي المريح والمألوف برؤية فنانين معروفين أو شخصيات مؤثرة أو محل ثقة بغرض إنتاج بيئة محكمة لتدريب الذهن.

2. هذه البيئة ينبغي أن تكون آمنة ليس فيها أذى أو استفزاز أو إثارة سلبية لضمان نجاح التجربة في التدريب، والبدء في صياغة موقف التعود والألفة عند رؤية الأمر الذي يستدعي غضبك ورفضك قبل أن تخضع للتدريب الذهني ...

3. يعمل التدريب الذهني على منحك شعوراً مختلفاً منبِّهاً، مثل أن تشعر بالشفقة على من يستحق غيرها وتنمية الإحساس بها، من خلال إدخالك في بيئتهم الداخلية فتشعر بما يشعرون به ، وتدخل في تجربتهم النفسية ومعاناتهم المفترضة من زاوية نظرهم وليس من زاوية نظرك.

4. تستهدف هذه العملية تركيب ذهنية جديدة بالتعويد التدريجي بحيث لا ترى النقص في الشيء الناقص، أو التناقض في الأمر المتناقض ؛ أو العوج في العود المائل ... .

5. إن هذه العملية تستهدف تفتيت الثبات الذهني لديك ورسوخه في عقلك الباطن بفتح المداخل الهادئة إلى جوهرك ونقل مواقفك من أمكنتها الدافئة إلى الهواء المفتوح البارد فتغدو بلا موقف وربما بلا أخلاق.