هدم الاحتلال حياته.. مجدي أبو تايه من غرف الأحلام إلى منزل غريق

هدم الاحتلال حياته.. مجدي أبو تايه من غرف الأحلام إلى منزل غريق

"أنا ابن القدس أباً عن جد، وما راح يطلعوني من القدس"، بهذه الكلمات يعبر الشاب المقدسي مجدي أبو تايه 32 عاما عن انتماء فطري للأرض التي خلق فيها وتحمل من أجلها الكثير من القهر على يد آلة التعذيب الإسرائيلية. 

أجبر أبو تايه وعائلته الصغيرة على هدم حلمهم وتحطيم آمالهم بعدما أرغموا على هدم منزلهم الكائن في قرية سلوان في مدينة القدس، فقد خُيّر بين أن يهدم المنزل بيده أو أن يهدمه الاحتلال الإسرائيلي على أن يدفع تكاليف الهدم التي تتجاوز الـ 75 ألف شاقل من قوت أطفاله. 

اضطرت 16 عائلة مقدسية لهدم منزلها بنفسها قسراً خلال العام المنصرم، وأصبح أكثر من 376 شخصاً بلا مأوى، وكانت البداية مع عائلة مجدي الذي يقول إن قصته بدأت منذ أول يوم سكن فيه المنزل مع عائلته “لم أكن قد أنهيت نقل الأثاث للمنزل، فإذا ببلدية الاحتلال تبلغني بقرار الهدم الإداري، ومن ثم بدأت رحلة مع التحقيق والمحاكم”.

 بدأت تحركات مجدي القانونية بعد استلامه لقرار الهدم، حيث قام بتوكيل محامٍ للحفاظ على منزله، وقد استنزفه ذلك ماليا دون أي فائدة تذكر، ويعبر عن  ذلك بأنه “كل شيء راح على الفاضي، بيع أوراق فقط”.

استمر الوضع على ما هو عليه بين المحاكم والأوراق والإثباتات لمدة عام ونصف، حتى جاءت بعدها الورقة التي قصمت ظهر البعير، تسلم أبو تايه مخالفة قدرها 55 ألف شاقل، وذلك لأنه قام بالبناء في أرض زراعية بحسب ادعاء بلدية الاحتلال. “عندما وصلتني المخالفة، قلت لنفسي بدفعها ما في مشكلة، بس ما يهدموا منزلي، وبالفعل قمت بتقسيطها إلى ألف شاقل شهرياً”، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتف بذلك وعندما وصل المبلغ المدفوع لـ 13 ألف شاقل جاءت المكالمة المشؤومة والتي كان فحواها “انتهت مدتك، التأجيل خلص، لازم تبدأ بالهدم”.

كان وقع الصدمة كبيرا على مجدي وعائلته، وحتى تسديد المخالفة لم يشفع له للإبقاء على منزله، وفي مطلع يناير من العام 2019 جاء القرار النهائي بالشروع في الهدم وعدم الإبقاء على أي أساس من المنزل في المكان. يقول مجدي عن ذلك “عدت إلى المنزل ووجدت متعهد بلدية الاحتلال في المكان لهدم منزلي، طلبت التأجيل وأن أقوم أنا ذاتياً بالهدم، وجاء القرار بالإيجاب فتم تأجيل الهدم لمدة أسبوع وكأنه كرم أخلاق من المحتل الذي يجبرك على هدم منزلك وحلمك وحياتك بنفسك!”.

“غصب عني مش بخاطري” كلمات تختزل قهرا لا نهائيا لمقدسي اضطر لهدم منزله، يقول أبو تايه “عدت للمنزل ووجدت شباب العائلة يقومون بتفريغ الأثاث، اتصلت بمعارفي وأصدقائي لأقترض منهم تكلفة الجرافات وأدوات الهدم وبدأت أهدم بمنزلي”، و”صاروا من البلدية يتصلوا عليّ 3 مرات يومياً، ليتأكدوا أنني قمت بالهدم ويطلبوا صور وفيديوهات للمكان، حتى جاءوا بأنفسهم بعد أسبوع وتأكدوا أنه بالفعل هدم”.

حينما بات الأمر واقعاً اضطر مجدي إلى استئجار منزل في القدس بمكان قريب من حلمه المحطم، ظروف صعبة مجدداً عادت إليها العائلة في منزل صغير مستأجر بمبلغ كبير وبدون أي مساعدة من جهات مسؤولة “ظروف المنزل المستأجر صعبة شوي، تحت الأرض مع أول شتوية غرق، كل الأثاث غرق بالمي”، ومع كل هذه الصعوبات استمر أبو تايه في دفع المخالفة المفروضة عليه.

وعن محاولة مجدي للاستئناف على قيمة المخالفة المفروضة عليه بعد هدم المنزل يقول: “قالوا لي إن المخالفة مخالفة والهدم هدم، هذا إشي وهذا إشي، مش مربوطين ببعض، أنت خالفت القانون لازم تدفع المخالفة حتى لو هدمت منزلك”.

إن ما يواجهه المقدسي في أمور تراخيص البناء تعجيزية في كافة أنحاء القدس، ولكن ما يجعل أمور الهدم مريرة هي أن الاحتلال يجبر الأهالي على هدم منازلهم بعد الانتهاء من بنائها، أما عن محاولات البناء مجدداً في المكان يردف أبو تايه ”لم أحاول لأنه صعب، تكلفة منزلي الأول 300 ألف شاقل.. هاي المنطقة بالذات سلوان عليها العين، ما بدهم حدا يبني فيها، مستحيل يعطوا تراخيص ولا السماح بالتأسيس، ما بدهم نقعد بالبلد ونستفيد من خيرها، بدهم كل إشي يستولوا عليه”.

زوجان كانا قد بنيا حلمهما معاً، وأربعة أطفال لم تتجاوز أعمارهم الـ9 سنوات أرغموا على ترك غرف نومهم الآمنة، إلى بيوت عديدة لن تشعرهم بالسكينة والحماية، إلا أنهم رفضوا ترك مدينتهم، وأصر والدهم مجدي أبو تايه أن يعيش أطفاله بكنف القدس في مدينتهم وأرضهم حتى وإن عاشوا في بيت غير الذي تطلعوا إليه. “ما بترك بلدي وبعيش خارج القدس، ما بقدر استغني عنها، هواها ونفسها بختلف، من عاش فيها وعاش طفولته فيها صعب جداً أنه حد يقدر يبعده عنها، راح نظل ثابتين ومرابطين فيها، البلد بلدنا وبتضل إلنا وراح ترجع لنا، والقدس هي قطعة مني”.