مقالات

لماذا نستمع إلى فيروز صباحاً؟

كتبت: رحاب الخنتشري

في أشهر البرد وفي الصباحاتالباردة، يتمتّع النّاس بصوتها الملائكي ،كل صباح ،  فهي لا تُثرثر،ولا تردّدُ ،ولا تغنّي ،إنّها تشدو.

تلك هي فيروز الصباح .يحرص الناس إلى الإنصات إلى صوتها مع إطلالة كلّ يوم جديد، ليس لكونه فتّانا امتزج بلحن آسرٍ ، ولا لأنّه يختزلُ منظومةً جمال متكاملة قاومت الزّمن لأكثرَ من نصف قرن، بل لأنّه صوتٌ مسالمٌ ، لا يحمل في طيّاته الدفينة سُماً ولا يتغلّف بقناع كاذب، ولا يخفي  خنجراً  يطعننا في أفكارنا وقناعاتنا.

سرّها كامنٌ في نقائها، إنّها لا تتآمر علينا وهذا يكفي. صوتُها الطاهر لا يُذكرنا بضغينة، ولا يحمل في جوفه تصريحاً أحمقَ، ولا يقرّر فجأة أن يكون ملكاً علينا أو أنّ يرأسنا ولا أنْ يدعوَنا إلى حزب من الحمقى أو إلى برلمان من المغفّلين .  إنه صوت السعادة المتجدّدة ، لذلك كان لقاءُ الصباح لقاءَ لهفة  بين قلوب متعطشة للجمال وصوت ملائكي يطلّ من شُرفة الحبّ ليلقيَ التحية ويُعانق القلوبَ.

نعيش صخب اليوم على صدى ترنيماتها السّحرية في انتظار عشق آخر مع صوت آخر ينتظرنا في ليالي الشتاء  الطويلة ،إنّه صوتُ ” الستّ” وهي تغنّي للحبّ والعشق والجمال الأبدي وبين شمس الصباح وأيقونته وبدر الليالي وكوكبه نعيش تحت وطأة الذاكرة وثنايا الموسيقى لتفعل فينا ما تريد .

ولكن هل تساءلنا يوما عمّا يحدثُ فينا حين ننصتُ إلى هذه الموسيقات الرائعة ،وحسبنا منها ما ذكرنا ،ماذا يعتملُ في أذهاننا قبل قلوبنا ومشاعرنا ؟ لماذا تقعُ علينا كلّ هذا الوقع ؟

للموسيقى قدرةٌ على استحضار الذّكريات وما حفّ بها من أحداث ، ويتجلّى هذا خاصّة في الموسيقى التّي اقترنت بمرحلة الطّفولة ،أو بلحظات مهمّة في حياتنا ،ويتجاوز الأمرُ مجرّد الملاحظة العابرة إلى نتائج الاختبارات النّفسية التي أجراها ليونارد ماير (Leonard B. Meyer) – أحد المختصين الكبار في نظرية الجمال الموسيقي  ،وقد اعتمد فيها على مناهج المقاربة القشطلتية ، فجاءت نتائجُه التى فصَّلها في كتابه الشهير “العاطفة والمعنى في الموسيقى” (Emotion and meaning in music) مؤكدة لهذه العلاقة بين الذّاكرة والموسيقى.

 فما يحدث إذن  عندما نستمع إلى موسيقى فيلم “تايتانيك ” مثلا ؟

تقفز في أذهاننا أحداث الفيلم السينمائي  الذي رافقته الموسيقى، بكلّ تفاصيله الدقيقة أحيانا  فنتذكر الحادثة نفسها، اصطدام السفينة بالجبل الجليدي، وبكاء الأطفال في الغرف المغلقة ، وتناثرحقائب المسافرين ، ونستحضر قصّة العشق المحرّم والتضحة، ثم ّ تتداعى الأفكار والصور، كلٌّ حسب تجربته الشخصية ، فقد يربطها بعضنا بحادث غرق العبّارة المصرية  السلام، وقد يربطها آخرون بمراكب الموت التي تحصد أرواح “الحرّاقة” الحالمين بجنّة أوروبا مثلما حلُم بطل تيتانبك بجنة أمريكا.

ولا يقتصرُ الأمرُ على علاقة الموسيقى بالذاكرة التي تستدعيها من الخارج ،بل إنّ الأمر واقع في الذهن، فالقطعة الموسيقية التي يصمّمها  فنان بارعٌ في غرفة مغلقة، قد تؤثر في حياتنا وأمزجتنا وقد تغيّر العواطف والأشخاص من حولنا، بل قد تغيّر نظرتنا للعالم بأسره.

وهذا ما حاول الباحث “جايكوب جوليج” بمعية مساعده “مايكي ميرسن”  من قسم علم النفس بجامعة جرونينجن،معرفته  من خلال البحث في  تأثير الموسيقى والأغاني على العقل البشري.

وقد أظهرت  بحوثهم أن منْ يستمعُ لأغانٍ سعيدة ، يكون في الغالب أكثر سعادة من غيره ،  بل إنهم يرون العالم سعيدًا أيضًا والعكس صحيح، فالذين يستمعون لأغانٍ حزينة يرون العالم من حولهم حزينًا ، ويصادفون أكثر من غيرهم أناسًا محبطين.

ولمحاولة تفسير هذه الظاهرة فيزيولوجيا اختبر الباحثان عددا من المنصتين إلى أغان حزينة تحمل نوتة موسيقية تضاف إلى اللحن الأصلي . ويطلق على هذه النوتة اسم  “الأبوغياتورا” “Appogiatura”   .

و تُحدثُ إضافتها إلى اللحن  تشويشا  يُحدث بدوره توترا للمستمع ، ومع اتّصال اللحن وتلاشي هذه النوتة يشعر المستمع ببانزياح الثقلَ الذي جثم على كتفيه  شيئا فشيئا ، فيحسّ بارتياحٍ عميق ، وهو ما يدفعه أحيانًا للبكاء أو الشّعور بقشعريرة تجعله منجذبًا لهذه الأغنية.

ولكن ماذا يحدث لأدمغتنا حين نستمع إلى الموسيقى ؟

حسب نتائج دراسة نشرت في مجلّة نيتشر نيوروساينس (Nature Neuroscience)،   تطلق أدمغتنا -عندما نستمع إلى الموسيقى- مادة الدوبامين،  وهي المادّة التي ترتبط عادة بغريزة البقاء كالأكل والجنس وهو ما يجعلنا سعداء.  ويتدفّق الدّوبامين عندما تصل القطعة الموسيقية إلى ذروة عاطفية  يشعر معها المستمع بهزّة قوية تصل أحيانا إلى الإحساس بوخز  في الجهاز العصبي. 

ورغم أن الحاجة إلى الموسيقى لا ترتقي -نظريا – إلى العادات الضرورية فإنها تمتلك نفس نظام المكافأة الذي نجده في نظام الأكل مثلا ،إنّ استماعنا للمقطوعات الموسيقية الأكثر ألفة ، تُسعدنا و تُدخلنا في لحظات من التوحّد والحلول والصّفاء . ولعلّ صوت فيروز الصباح وصوت الستّ في الهجع الأخير من الليل خير دليل على ذلك.

نصبح على السعادة وعليها نمسي، تلك هي مختصر العلاقة بيننا وبين الموسيقى، رحلةٌ سريعة  في الذاكرة والنفس والدماغ ، لذلك فتذكر دائما  صديقي “عليك أن تختار أغانيك بحذر”.

 

مقالات ذات صلة