مقالات

صديق للبيع!

كتب: أشرف عابدين

يروى أنّ مقولة المثل الشعبي القائل “بكم بعت صاحبك”؛ “أنّ أحدَ الحكماء سأله صاحبه: بكم بِعت صاحبك؟ فرد عليه الآخر: بتسعين زلّة. فقال الأول: (أرخصتَه)؛ أي: بِعتَه بثمن زهيد!” فتتعجب وتذهل من ذلك الصديق الذي غفر لصديقه تسعًا وثمانين زلة، ثم بعد زلَّتِه التسعين تخلى عن صداقته، وتتعجب أكثر من الحكيم السائل الذي لامَه على بيعِ صاحبه بتسعين زلَّة، وكأنه يقول: لم لم تحمَّل أكثر.

نعم.. إنَّ الصَّداقة الصّادقة لشعور فطري دفين ومنزلة سامية في القدر، غزيرة في الإيمان، رفيعة في الفائدة. وبها تطيب القلوب بالحديث عنها، كيف لا! والصديق هو مستودع الأسرار والكتمان، حتى إن الشَّارع الحكيم قد أقرّ بهذا المعنى، وأوثق دعائمه، ورغب فيه؟! فقد قال أنَّ “الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف”. وأمر المسلم أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّه لنفسه؟! حتى وصل أمر الاستحباب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم، وإن كان به خصَّاصة.

وأنّ من السَّبعة الذين يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلا ظلُّه، رجلان تحابَّا في الله، اجتمعا عليه، وتفرَّقا عليه؟! بل وصل الأمر بشفاعة الصديق لصديقه! ففي الأثر، “أنّ الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان؟ وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة. فيقول من بقي: “فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ“. حتى فضل بعضهم الصداقة على القرابة فعندما سُئل الحكيم الفارسي بزرجمهر بن البختكان في كتاب الخلق الكامل: مَن أحب إليك أخوك أم صديقك؟! فقال ما أحِبّ أخي إلا إذا كان لي صديقا.

فلا ننكر أنه ليس منا من لا يحتاج إلى صديق صالح سواء عند صعوبة الحال ليسانده ويعينه وتبوح له ببلائك وأسرارك، أو عند حسن الحال ليواسيه ويؤانسه. ومن ظن أنه يمكنه الاستغناء عن صديق، فهو مغرور معزول، ومن ظنّ كذلك أن الحصول على صديق بالأمر الهين اللين فقد جانبه الصواب، خصوصاً في زماننا المؤلم هذا الذي تحكمه الماديات وتقلبات المصالح والعلاقات المحدودة، وفي ظل غياب المبادئ والأسس التي تبنى عليها الصداقات. فقد أصبح الوصول اليه أشبه بعمله شبه نادرة.

فذاك ابن زيدون أديب الاندلس في زمانه عاتب وباع صديقه الوزير أبا عامر ابن عبدوس، بعدما كان بينهما رباطة جأش وأخوة متأصلة متجذرة يضرب لها المثل في أندلس الشعر والرِّقَّة فتحولت عداوة متلهبة متوطدة سببها ولَّادة بنت المستكفي الخليفة الأموي. فقد ترقرقتْ قصائد حُبِّ الوزير أبي الوليد لابنة الخليفة المستكفي، وفاضتْ مجالسهما بالأناشيد وأشعار الغرام. حتى أضرم شعر الشاعرين الجمر في قلبيهما، فأتى عذبًا جميلًا تلتذُّ به الآذان وتطرَب له القلوب، فغدَوَا مضربًا للأمثال على مدى الأزمان. فكتب ابن زيدون قصدية ضادية باع فيها صديقه الحميم ابن عبدوس فقال:

أثرتَ هزبْرَ الشّرَى، إذْ ربضْ …. ونبّهْتَهُ إذْ هدا فاغتمضْ
وما زلْتَ تبسُطُ مسترسلاً …. إليه يدَ البغْيِ لمّا انقبضْ
حذارِ حذارِ فإنّ الكريمَ …. إذا سيمَ خسفاً، أبَى، فامتعضْ
فإنّ سُكُونَ الشّجاعِ النَّهُوسِ …. ليسَ بمانعِهِ أنْ يعضْ
وَإنّ الكَواكِبَ لا تُسْتَزَلّ …. وَإنّ المَقَادِيرَ لا تُعْتَرَضْ
أُعِيذُكَ مِنْ أنْ تَرَى مِنْزَعي …. إذا وَتَرِي، بِالمَنَايَا، انْقَبضْ
فإنّي ألينُ لمنْ لانَ لي …. وَأتْرُكُ مَنْ رَامَ قَسْرِي حَرَضْ
وَكمْ حَرّكَ العِجْبُ مِنْ حَائِنٍ …. فغادرْتُهُ، ما بِهِ منْ حبضْ
أبَا عامرٍ، أيْنَ ذاكَ الوفاءُ …. إذِ الدّهرُ وسنانُ، والعيشُ غضّ؟
ألَمْ تَنْشَ، مِنْ أدَبي، نَفْحَة ً …. حسبْتَ بهَا المسكَ طيباً يفضّ؟

فكم من شخص قد باع صديقه لكبوة فعل أو لزلة لسان أو لضرب من حب الدنيا، بل وهناك من وصل بهم الحال أن يبيع صاحبه هكذا بلا سببٍ ولا ذنب، وكم منا ندم على بُيُوعات ماضية مِن الأصدقاء لنكتشف أننا بخَسْنا أثمناهم بدراهم معدودة، وبِعْنا الثمين بلا ثمن؟! لأننا أطعنا نفوساً أمَّارةً بالسوء. فالله أثنى على الكاظمينَ الغيظَ، والعافين عن الناس، وهو يحبُّ المحسنين من خَلْقه. فمتى سنتحمَّل لممهم وزللهم مهما كبُرَت أو تكرَّرت؟! وهل سنُعيدُ أو نحاول استعادةَ الودّ الذين خسرناهم سابقًا؟ ومتى سنعيد تعريف دوائر الصداقة معهم؟ فالناس بين معارف وأصدقاء فلا يصلح لك مقاطعتهم إنما ينبغي نقلهم من ديوان الصداقة إلى ديوان المعارف.

فالصَّداقة الحقَّة المؤسسة على البرِّ والتقوى تؤتي أكلها كلَّ حين بإذن ربِّها؛ فلا تنتهي بالموت، أو بنهاية هذه الدُّنيا، بل هي باقية تنفع أهلها “يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ“. فما أكثر الناس وما أقل الأصدقاء وما أقل الصالحين منهم. فإذا وَجد الإنسان أصدقاء ذوي ثقةٍ، وجد بهم عيونًا وآذانًا وأفئدة كلها له. ومتى وجدت ذلك الصديق ولو كان واحدً، فاكتفي به واشدد يدك بصحبته في الدُّنيا، ولا تفرِّطْ فيه، ولتنشغل عن عوارته واستخراج عيوبه، حتى لو وجد له زَلَّاتٍ وأخطاء، لكي تلتقي معه في الآخرة في ظِلِّ الله يومَ لا ظل إلا ظله، فقد قال ابن مسكويه: “ولتكتفِ بواحدٍ – أي: صديق واحد – إن وجد، فإن الكمال عزيز. وفي النهاية إذا سألتني عن معنى الصديق فقد اختصر الأمام علي – كرم الله وجهه – بجملة واحدة عندما سئل فقال : “الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك”، حينها تذكرت قول الشاعر القائل:

إنما أنت أنا لكنما …. وضعت أرواحنا في جسدين
أنت مني عضدي بل ربما …. في مقام الرأس مني واليدين
أنت مراّتي فهل أكسرها …. افقد الوجه إذن والمقلتين

فكل صداقة أصلها محبة وكل محبة يقطعها الموت إلا المحبة في الله تعالى، لإن الإنسان جبل على حب مخالطة الآخرين، وأن يتخذ له جليسا يعينه على مصالحه في دنياه وأخراه، والناس متفاوتون في دينهم وأخلاقهم، “فالرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل”. فإياك ونافخ الكير حينها ستقول “يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا“؛ فما اشدّه من ندم وما أشده من موقف، فانظر من تصاحب واحرص أن يكون صديقاً للدنيا والآخرة وأن يأخذ بيدك الى الله فأصدقاء الجنة لا يشبهون أحد.

مقالات ذات صلة