الإيجاز الصحفي ... هل أصبح اختبار الحكومة الصعب ؟!

الإيجاز الصحفي ... هل أصبح اختبار الحكومة الصعب ؟!
الإيجاز الصحفي ... هل أصبح اختبار الحكومة الصعب ؟!

خاص بكرمول| الإيجاز الصحفي ... واحة حريات أم بازار لترويج السياسات ؟

"ابقوا في بيوتكم، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مِرفقا" على غير العادة، لمسة دينيةُ يضيفها ملحم على الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية في الإيجاز الصحفي الذي كانت تعقده الحكومة مرتين يومياً صبحاً ومساءً قبل أن يصبح لمرة واحدة مع بدء شهر رمضان المبارك.
ويعد الإيجاز الذي يشهد تجمهراً واسعاً من الصحفيين يومياً أمام مبنى الحكومة ومتابعةً كبيرةً خلف الشاشات أمراً لافتاً وتغيراً ملموساً في التعامل الرسمي الفلسطيني الذي اعتاد على الانكفاء عن الصحافة والجمهور بالنظر إلى العهود السابقة التي كانت تطول بها غيبة المسؤول عن أسئلة الصحفيين، فهل هي أحكام كورونا ؟ أم وراء الأكمةِ ما وراءها ؟

في الأيام الماضية ومع طول مدة حالة الطوارئ وأيام الحجر بدأ الإيجاز يأخذ شكلاً آخراً خاصةً مع ظهور بعض الممارسات السلبية للمؤسسات الرسمية في السلطة، سواء الاعتقالات السياسية على خلفية العمل الخيري، أو إيقاف رواتب صحفيين يعملون بالوكالة الرسمية بشكلٍ مخالفٍ للقانون، مروراً بقرارات سلطة النقد المتخبطة في موضوع الشيكات، كل هذه العوامل وغيرها أسهمت في ارتفاع وتيرة الحدة في أسئلة الصحفيين في مساءلةٍ حيةٍ وصريحةٍ وعلى الهواء مباشرة للحكومة، والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن البعض، هل ولّى عهد القمع بلا عودة وأصبح الإيجاز الصحفي متنفس للصحفيين وواحة للحرية ؟!


   المعطيات على الأرض تشير إلى اعتقال على خلفية تعليق على الفيس بوك في رام الله، وآخر على خلفية طرود غذائية في طولكرم، وأفراد لجنة طوارئ ضاقت بهم انتماءاتهم السياسية وعدم تأييدهم للحزب الحاكم في أكثرِ من مكان، وابتزاز في لقمة العيش لصحفيين يعبرون عن آرائهم بحرية، واستمرار الحجب على مواقع الكترونية إعلامية هادفة والناطق باسم الحكومة يستنكر الحجب ! أي الحكومة تستنكر الحجب إذا اعتبرنا أن الناطق  لسان الحكومة لا لسان شخصه، "لمن تشتكي حبة القمح إذا كان القاضي دجاجة؟!" وهل جمَّلَ ملحم وجه السلطة بطيب مبسمه ولسانه الذي ينطقَ عَسَلاً وحرية ؟! 

"الصحفي هو من يحدد حريته" هكذا ينظر للمسألة مراسل العربي الجديد جهاد بركات، ويضيف : "بداية الأزمة كان الكل يقف في صف مكافحة الفيروس، وحين بدأت تظهر قضايا تستحق السؤال بدأ الصحفيون يسألون، من استعدادات النظام الصحي في بداية الأزمة إلى مشاكل مراكز الحجر ثم الأسئلة عن قلة عدد الفحوصات وصولاً للاعتقالات ومؤخراً أسئلة الوضع الاقتصادي والتضامن مع الزملاء الصحفيين الذين أوقفت رواتبهم إلى حين انعقاد لجنة تحقيق بعد أن تنتهي حالة الطوارئ."

"طبعاً لا" باندهاش أجابت فاتن علوان مراسلة قناة الحرة حول سؤال شعور الصحفيين بالحرية في الإيجاز الحكومي، وأكملت "عندما يتم إيقاف أربع صحفيين في أقل من شهر في استغلال واضح لحالة الطوارئ إحداها بسبب وضع نكت تستهدف أفراد الحكومة على الفيس بوك ثم يُطلب منه إغلاق صفحته فهذا اسمه تضييق على حرية التعبير."


ومع بدايات انطلاق الإيجاز بدأ المتابعون يشتَّمُّون رائحة تمرير سياسات جديدة وبدأ بعضهم يستخدم مصطلحات لم يعتد عليها المواطن الفلسطيني كونها مخالفة للنظام السياسي "البرلماني الرئاسي" على غرار "سيَد البلاد" التي تكررت لعدة مرات ثم في الحضور اليومي للوزراء الذين ما بدأ أحد منهم خطابه المتعلق بكورونا فقط إلا بآيات من الشكر والتبجيل لكل أصحاب السيادة والفخامة والمعالي وهو أمرٌ لا شك أن بعضه بروتوكولياً إلا أن زيادته "حَرقت بِنْها" فبات الاستعراض واضحاً وأصبحت القضية الأساسية التي تَسمَّرَ من أجلها المشاهد خلف الشاشات فيروس كورونا وكأنها ثانوية، الأمر الذي يجرّنا إلى سؤالٍ مفاده : هل أرادت السلطة تحوير خط الإيجاز إلى بازارٍ يروج لسياساتها ؟!
مراسلة الجزيرة في فلسطين شيرين أبو عاقلة عدته أمراً طبيعياً كون الحكومة تريد تعزيز سياستها واعتبرته مقبولاً شرط أن يبقى ضمن الإطار المقبول بعيداً عن التشعب الكبير الذي يحدث من الطرفين، الصحفيين والحكومة.
واستطردت "طالما هناك مصارحة ومكاشفة خاصة في هذا الظرف الجديد على الحكومة وعلى الشعب مع وجود نوع من الرضا عن الأداء الحكومي وبالتالي هي معنية أن تبعث برسالة مفادها أنها نجحت في الاختبار."
ويرى المحاضر في كلية الإعلام في الجامعة العربية الأمريكية سعيد أبو معلا أن السلطة من خلال الإيجاز الصحفي تعيد بناء ما تهدَّم من هيبتها خلال السنوات السابقة وتعيد بناء ثقة الناس فيها من خلال هذا الإيجاز.
"ليس كل ما يقال في الإيجاز صحيحاً" هكذا يرى أبو معلا في المعلومات التي تقال في الإيجاز ناسباً التقصير في التدقيق للمعلومات للصحافة الفلسطينية المتواجدة التي لا توجه الأسئلة الدقيقة ولا تدقق بالمعلومات التي تتلقاها.
 
انتهى شهر العسل إذن، وبدأت تختفي منشورات المديح والثناء على إجراءات الحكومة وإجراءاتها الفعالة في مواجهة الفيروس، في المقابل بدأت ترتفع الأصوات الناقدة لبعض الإجراءات المتخبطة لا سيما قرارات سلطة النقد فيما يخص الشيكات المرتجعة على قاعدة "ابقوا في بيوتكم لكن سددو شيكاتكم" فهل ستهرب الحكومة للأمام وتلغي الإيجاز وتستعيض ببيان "مثلاً" لتجنب المزيد من الجرأة الصحفية عليها ؟!
تستبعد شيرين أبو عاقلة اللجوء لهذا الخيار في الوقت الراهن وترى أن فكرة الإيجاز جيدة شرط ألا يستمر التشعب الحاصل سواء في المواضيع التي يتطرق لها القائمون على الإيجاز أو بأسئلة الصحفيين التي تبتعد عن أصل المسألة كثيراً في بعض الأحيان.
وفي ذات السياق يرى أبو معلا أن الإيجاز ربما يُلغى إذا تراجعت أعداد الإصابات وتمت السيطرة على الوباء نسبياً أما لطالما هناك إصابات والحكومة تسيطر على المعلومة التي تبثها في الإيجاز فسيستمر الإيجاز شرط أن تبقى العقول الراجحة في الحكومة والمتمثلة في الدكتور محمد اشتية والتي ترى في الأسئلة الصحفية شيئاً ايجابياً هي المسيطرة بعكس بعض الحرس القديم المتواجد بالسلطة والذي يرى بهذا الخط عاملاً سلبياً، وسيستمر كذلك لطالما هناك متابعة شعبية له أما إن حدث العكس وقلَّ الزخم الجماهيري ربما سيتم توقيفه.

بالمحصلة، لم يعد الإيجاز إيجازاً لا من ناحية المسمى ولا من ناحية الوظيفة، فهو إن كان "إيجازاً" يفترض أن يكون قصيراً خاطفاً وما نراه عكس ذلك تماماً، وإن كانت وظيفة الإيجاز الحديث عن الكورونا فقد أصبحت قضية كورونا حجةً للحديث في مواضيعٍ بعيدة عن الأزمة الراهنة يتم ربطها بها بطريقةٍ أو بأخرى.