لا يا بوي لا.. أمانة يا بوي لا.. اختزال لقصة الطفل كامل أبو داير بعد استشهاد والده

لا يا بوي لا.. أمانة يا بوي لا.. اختزال لقصة الطفل كامل أبو داير بعد استشهاد والده

إذا كانت الحرب على غزة قد توقفت، فلا يمكن الجزم بأن وجع الطفل كامل أبو داير قد لا يستمر لآخر العمر، وهو الذي اختزال طبيعة "إسرائيل" في صرخة أطلقها في استدعاء واستحضار واستنكار لغياب والده زياد الذي حتما لن يعود، فكانت "لا يا بوي لا.. لا يا بوي لا، أمانة يا بوي لا" أقوى من كل بروباغندا الدعاية الإسرائيلية التي حاولت تبرير استهداف المدنيين الآمنين.

لا أحد يشعر باقتراب حقيقة الموت منه، حتى لو كانت الحرب، هذه حكمة إلهية، كذلك كان الحال يوم الإثنين 18 مايو في منزل أبو داير غرب مدينة مدينة غزة قبل أن ترتكب طائرات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم مجزرة. تعدّ الأم "المجدرة"، والأطفال يلعبون في حوش المنزل إلى حين إعداد الطعام، فيما في الجو طيار إسرائيلي، ثلاثة ترضي غروره، الإنسان حين يقتله والأرض حين يحتلها والدمار حين يُحدثه.

صاروخ أطلق صوب منزل العائلة، ثم كان الفزع. والد كامل استشهد. وفي روتين تعرفه غزة جيدا، حضرت سيارات الإسعاف والإنقاذ، وبعد انتشال جثة والده، شعر كامل أن الحياة سرقت منه أغلى ما يملك، سنده في الحياة ومصدر قوته ورفيقه، كيف لا وهو أول فرحة والديه وابنهم الوحيد، بينما حاولت والدته تهدئته رغم أن قلبها يعتصر ألمًا ثم أخذت توجه حديثها للناس: "زوجي غلبان والله ما إله بحاجة، كان حلمنا إنه نعيش سوا ونربي ابنا ونفرح فيه"..

لم يكن يعلم كامل أن هروبه مع والده ووالدته، من منزلهم في شارع الوحدة، والمجاور لعمارة أبو العوف التي ارتكب بحقها الاحتلال مجزرة، لن يمنع الموت من ملاحقتهم مرة أخرى عند بيت عمه بجوار عيادة الرمال، والتي كانوا يعتقدون أنها أكثر أمانًا.. أما لحظات ما قبل المجزرة كما ترويها العائلة: الخمسيني زياد أبو داير يرتل القرآن للمرة الأخيرة.. صواريخ تضرب المنزل فينهار على ساكنيه.. غبار وركام يختلط بالدماء.. زياد لن يعود، دمه يلّون كل جدار في البيت.

يقول شقيق الشهيد زياد في حديثه لـ قدس الإخبارية " شقيقي وزوجته وابنه الوحيد كامل هربوا لمنزل شقيقي الثاني مرشد، اعتقدوا أن الاحتلال لن يقصفه كونه بجانب الصليب الأحمر وعيادة الرمال الصحية، لكن يبدو أن قدرهم واحد، قبل القصف بثوان كانت تنادي عليه زوجته لتناول الطعام فرد عليها بس أخلص آيتين ضلو عليّ. لكنه رحل عن الحياة قبل أن يكملهما".

أشرت على شقيقي قبل استشهاده أن يغلق شقته التي تركها جيدًا خوفًا من القصف فرد عليّ بأنه يجهز لشقة في الجنة، يضيف شقيق زياد.

أما ابنة شقيق الشهيد زياد، الطفلة رهف، والتي ارتقت معه وتركت ألعابها وفساتينها الملونة ورسوماتها ذكرى وجع لأهلها، فقاموا بجمعها من بين الدمار للاحتفاظ بها عزاءً وحيدا من أثر الحرب، فقد كانت قبل القصف بدقائق تمسك بالريشة والألوان تعبر فيها فيها عن أحلامها وحتى معاناتها، وآخر رسوماتها - تلك التي خطتها بريشتها قبل أن تستشهد بدقائق قليلة - كانت عمارة أبو العوف التي قصفها جيش الاحتلال الإسرائيلي على رؤوس ساكنيها.

يقول شقيقها محمد، والذي كان يجمع باقي أغراضها، بما في ذلك ملابس العيد، "خططنا أنا ورهف أن أصطحبها بالعيد لمدينة الألعاب، فهي كانت تنتظر العيد بفارغ الصبر بعد أن صامت 30 يوما من شهر رمضان. كنا نشجعها دائما على الصيام ونخبرها أن تصبر فبعد ذلك ستفرح بالعيد والملابس الجديدة".

لكن وبدل أن تخرج رهف للتنزه مرتدية ملابس العيد الجديدة، خرجت بالكفن، ولم تترك الصواريخ التي نزلت على رؤوسها طريقًا لها للنجاة نحو الفرح. حتى عائلتها التي لم تقتلها الصواريخ، ستقتلها بعد اليوم أشياء أخرى، لون الحزن أقتم من أن يزول، فمن يعيد لهم ضحكات رهف التي كانت تملأ عليهم البيت ببراءتها ومشاكستها!. لكن رهف ليست وحدها من اغتالت "إسرائيل" طفولتها وحرمتها استكمال حياتها، 46 طفلًا كانوا يسرحون ويمرحون في منازلهم مع عوائلهم قبل أن تغدر بهم الصواريخ الثقيلة في الحرب الأخيرة.