مقالات| كورونا من منظورٍ آخر

مقالات| كورونا من منظورٍ آخر

كرمول- بشرى حمدي| بينَ معتركات الحياة وتناقضاتها تشتتنا، تاهت عنّا أنفسنا فاستيقظنا لنجد أننا قد ضعنا بين شواغِلِها وضغوطاتها ولم نعلم بأن لا شيء يمر من أمامنا سوى أعمارنا وأيامنا وأن الحياة تمضي ولا تقفُ عند مناسبةٍ جميلةٍ قد أضعناها بسبب انشغالاتنا وأووقاتنا الضيقة، أو لقاءٍ ممتعٍ مع صديقٍ غائبٍ منذ زمن قد فاتنا بسبب موعد عمل!

 نسينا من نكونُ ونسينا كيف هي بساطةُ الحياةِ ونسينا ضحكات العائلة والأصدقاء واسترق الزمان منا ضحكات أطفالنا حتى استيقظنا لنجدهم قد شبّو وأصبحوا شبابًا لا يحتاجون إلينا بل وجدنا أن اللحظات لم تسعفنا لنشاركهم تفاصيل طفولتهم وضحكاتهم الشقية ولم نكرّس لهم مجهودًا كافيًا نمنحُ لهم فيهِ دروسًا لحياتهم المقبلة فتركناهم متخبطين يتلقونَ الضرباتِ وحدهم ليجدوا أنفسهم يومًا غريبين عن الحياة تائهين فيها تمامًا كما فعلنا بأنفسنا ولم نستيقظ من غفلتنا سوى على صوت ناقوسٍ يدق في آذان العالمِ أجمع يدوي ليلَ نهارَ يدعى " كورونا ".

 بين ليلةٍ وضحاها، وجدنا عالم البشرية أجمع في سباتٍ وهدوء، اختفت ضجّات الشوارع ومداخن المصانع وأصوات السيارات وخلا الصباح من كل الملوثاتِ ما عدا زقزقةُ العصافيرِ وأصوات الندى تقرع الشبابيك على عيونٍ ناعسةٍ لم تنم بهدوءٍ منذ زمنٍ طويل، ووجدنا أنفسنا بين عائلتنا ننعمُ بالدفءِ وكلّ الأمهاتِ نشرنَ أنفاسهنّ الطيّبة في أرجاءِ المنزل فعادَ كل الأمانِ يملأ معمورة المسكنِ وعادت الأطباق اللذيذة تُطهى بكل حب، ووجدنا الآباءَ قد عادوا لمسؤولياتهم التي غابت عنهم منذ زمنٍ وعادوا أصدقاءً لأبنائهم يتشاركون واياهم تفاصيل الحياة ويمنحونهم بضعًا من خبراتهم الحيّاتيةَ بل وعاد الشعور لدى الأبناءِ بأنهم يمتلكون أفضل أمٍ وأبٍ بالعالم وربما لديهم عائلةٌ مثاليةٌ لم يُنبههم لها سوى جرس كورونا !

 نقمةٌ في ظاهرها عظيمةُ النعمِ في بواطنها، أعادت للحياةِ بهجتها ولونها بل ونظّمت كل العشوائيةِ والفوضى التي غرقنا بها ولم نستطع التخلص منها رغم كل التطوّر والتقدّم بل قد أعادت إلينا كثيرًا من الأشياءِ المفقودةِ منذُ زمنٍ وأعادت فينا شعورًا داخليًا بالسلامِ كنا قد اشتقنا له منذُ فترةٍ طويلة، ضجّت كل البيوتِ تذكر الله وتدعوهُ بأن يزيل هذهِ الغمّة وقد كان الله قد اشتاق لصوتِ الدعاء بل وغدا كل الرجالِ أئمةٌ.

وكلّ الأمهاتِ أعظم الأمهات بعدما أشغلتهنّ الحياةُ عن هذه العظمةِ ونسين في كدّها وشقائها بأنّهنّ دومًا الأفضل، أدركنا تمامًا قيمة الوقتِ الذي يمضي من أعمارنا هباءً دون أن نفعل فيه شيئًا نلقى الله به مسرورينَ يومَ اللقاء، عادَ شعور الحب والدفء يمسحُ تراكمات الأيام عن الأفئدةِ بلطفٍ ويُنير بشمسه نوافذ كل البيوت والشوارع، زيّن الأخضر جُلّ الكرةِ الأرضيةِ بل وشعرت كل الكائنات بالهدوء والراحة.

عادت إلينا البساطةُ في المعيشةِ والضحكات المتبادلة بيننا وعاد الشوق يشتعل فينا للقاء الأحبة بعدما نسيناهُ وأدركنا تمامًا قيمة النعمةِ القليلةِ علينا بل ورأيناها بعينِ العظمة، سمعنا دعواتِ الأجدادِ وقت القنوتِ واسترقنا فنجان قهوةٍ وقت الصباحِ دون منبهٍ يدعونا للمغادرة وتشاركنا الحياةَ بكلّ تفاصيلها حتى غدت حياتنا مبتهجةً بلونِ الفرحِ مزينةً بالحبّ ممزوجةً بترانيم الدعاء وأدركنا تمامًا أن الحياةَ تمضي بكسرةِ خبزٍ وقليلٍ من الزيتِ ليس بالضرورةِ أن نسابق الحياةَ لننال منها كل شيءٍ حتى نشابه غيرنا ونرضيهم على حسابِ راحتنا وأبداننا.

 مُمتنينَ جدًا للهِ على كورونا فقد قوّمت فينا ما لم نستطع تغييرهُ بأنفسنا منذ سنين طويلةٍ وأنارت لنا ظلامَ الطرقات التي ظنناها يومًا معتمةً للأبد وبقربِ اللهِ سطعت بل وأنارت كل الكونِ لنبدأ من اليوم بتحضير حكايةٍ نقصها على أجيالنا القادمة ونحكيها لهم بكلّ حبٍ عن ضيفٍ جمبلٍ زارنا يومًا يُدعى " كورونا " جاءَ وشركائهُ يعيدونَ لنا لونَ الحياةِ ومن ثمّ غادرونا.