مقالات

زعتر

كتب: رامي مهداوي

المقال ربما يكون قصةَ شهيد بحد ذاته، لكنه قصة جديدة من قصص الملحمة الفلسطينية التي تذكرنا بواقعنا، ليس فقط بأننا تحت الاحتلال وإنما بإنسانيتنا التي مازلنا نتمسك بها رغم سوداوية المشهد. محمد حسين حبالي البالغ من العمر 22 عاماً، وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة.
بشكل شبه يومي يخرج محمد من بيته في حارة النادي بمخيم طولكرم إلى سهل مخيم نور شمس وأيضاً الى المنطقة الواقعة قرب جامعة خضوري لجمع الزعتر البري، ومساعدة والده الذي يعاني هو الآخر من اعاقة مستديمة في قدمه اليمنى بالعمل الزراعي المتنوع، هذه هي الحياة لمن يريد البحث عن لقمة عيش كريمة للعائلة دون أن تمتد يده للغير.

لُقب محمد بـ “زعتر” لجمعه الزعتر البري، كان يذهب الى السهول والجبال وحده وكأنه يعلم بأن لا أحد له ولعائلته من بعد الله سوى ذاته، كان يجمع الزعتر على شكل باقة زهور، يعود بهذه الغنائم التي انتزعها من الطبيعة كمصدر رزقه له ولعائلته ليبدأ ببيعها هو ووالده.

ابتسامة زعتر لا تفارقه أينما تواجد، زعتر كالزعتر البري الذي يجمعه، من يقطف من؟ زعتر يتواجد أينما كان يجب أن يتواجد، وكأن الله يرسله الى من هم بحاجة الى ابتسامته المشبعة بنكهة الزعتر ليقدم لهم يد العون، ليس هذا فقط وإنما كان يساعد والده في توزيع الخضار والفواكه التي كان يحصل عليها والده من بلدية و”حسبة” طولكرم، يقومان بتوزيعها على العائلات المستورة بواسطة الحنطور.

فجر يوم الثلاثاء الماضي الموافق 4-12-2018، أثناء عودة زعتر من عمله المسائي في أحد مقاهي المدينة الشعبية الذي ينتهي مع مطلع الفجر؛ أطلق أحد جنود الاحتلال الإسرائيلي رصاصته الحاقدة على زعتر من مسافة موت، وكأن الله طلبه ليكون مع الشهداء فوراً .

وبحسب الأخبار التي تم تداولها في الفضاء الإلكتروني ذلك الصباح، فقد اقتحمت قوات الاحتلال وسط مدينة طولكرم والجهة الغربية منها، ودارت المواجهات هناك على أرض المدينة التي نعلم جميعاً رد فعل أبنائها في مثل هذه الحالة، وبعد فترة ينتشر فيديو لحظة قنص زعتر بدم بارد، حيث لم يكن يشكل خطراً على أقوى الجيوش العالمية الذين كانوا يتربصون بأبناء المدينة.
زعتر حفر اسمه عالمياً، فقد ارتقى شهيداً في “اليوم العالمي لذوي الإعاقة”، حيث خصص هذا اليوم من قبل الأمم المتحدة منذ عام 1992 لدعم الأشخاص ذوي الإعاقة، وزيادة الفهم لقضايا الإعاقة ولضمان حقوق المعاقين، نظرا لضرورة رفع الوعي بقضايا دمج ذوي الاعاقة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

زعتر ليس هو أول شهيد فلسطيني من الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وبحسب التقديرات فقد استشهد منذ العام 2000 أكثر من 100 فلسطيني من ذوي الأشخاص ذوي الإعاقة، كان آخرهم الشهيد إياد سليمان من بلدة جباليا متأثرا بجروحه التي أصيب بها عام 2014. اضافة لوجود 47 أسيرا _من ضمن 5500 يقبعون في سجون الاحتلال_ من ذوي الإعاقة والمصابين ببتر في الأطراف أو الشلل النصفي أو أمراض الأعصاب وإعاقات سمعية وبصرية.

ما بين زعتر ومذبحة تل الزعتر مازال شعبي يسطر بتضحياته أسطورة الملحمة التاريخية، لا فرق بين أحمد الزعتر في قصيدة سيد الكلمة محمود درويش وبين محمد زعتر سوى أن الوطن أصبح يضيق بمن يجمعون الزعتر،”…يا أحمد المجهول ! كيف سكنتنا عشرين عاما واختفيت… وظلّ وجهك غامضاً مثل الظهيرة، يا أحمد السريّ مثل النار والغابات.. أشهر وجهك الشعبيّ فينا… واقرأ وصيّتك الأخيرة ؟”

*هذا المقال إهداء الى روح الشهيد وعائلته، وجميع الأشخاص ذوي الإعاقة في العالم.

مقالات ذات صلة