مقالات

الاسير خندقجي يكتب…. في ساحة السجن

الكاتب: الأسير باسم خندقجي

القيادي في حزب الشعب الفلسطيني

الكاتب والروائي

في أجواء قيظ يعلن عن صيفه الحارق بسياط شمس تحتل كبد السماء في تموز 2018، حيث ثمة مجموعة من الأسرى يجلسون في حلقة في ركن من أركان الفورة داخل السجن. المشهد للوهلة الأولى لدى المراقب من بعيد عبثي ولا يعبر عن أدنى إحترام لهذا الصيف الجهنمي بشيء من الفيء العليل، غير ان الأسرى الجالسين في حلقتهم والمستظلين بدفاترهم وكتبهم لا يكترثون لدرجة الحرارة المرتفعة اثناء انتباههم واصغائهم لأسير ضئيل البنية لفحته شمس أضفت على وجهه سمرة تكاد تكون برونزية، أسير يتحدث ويناقش ويشرح ببحة صوت تفيد بعنفوانه الذي لا يشي بسنوات عمره المندفعة لنهاية الخمسينات، هذا الأسير هو القائد الفلسطيني والزعيم الوطني د.مروان البرغوثي، وهؤلاء الأسرى الخمسة والعشرين هم أعضاء وكوادر وقيادات منتمين لتنظيمات فلسطينية مختلفة، بعضهم ينتمي لحماس وآخرون للجهاد وفتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ولحزب الشعب، ولكن لحظة واحدة يجب ان نقوم بتصحيح اللغة الوصفية للمشهد فهذا هو د.مروان البرغوثي المحاضر والمشرف على برنامج الدراسات الإسرائيلية في كلية الدراسات العليا في معهد الدراسات الإقليمية في جامعة القدس، وهؤلاء هم طلبة الدراسات العليا.

نعم ان هذا ما يحدث الآن في ساحة السجن، واليوم هو الأحد حيث تبدأ المحاضرة تمام الساعة الحادية عشر صباحاً وتنتهي تمام الثالثة والنصف عصراً يتخللها فترتين إستراحة مدة كل منها خمس دقائق لتمرين الساقين أو من أجل الصلاة أو تناول بعض الطعام أو التدخين، أنه يوم الأحد يوم محاضرة مساق الحضارات وهي عبارة عن دراسات في الفكر حيث يشمل كتاب صدام الحضارات لصموئيل هنغتون وكتاب الإستشراق لإدوارد سعيد وكتاب العقل السياسي العربي لمحمد عابد الجابري وكتاب النظام الأبوي المستحدث لهشام شارابي وعشرات المقالات التي تتناول نفس الموضوع، والآن هنا في صيف السجون في القرية الحديدية يناقش الطلبة كتاب الإستشراق حيث يسعى د. مروان في تفكيك الإستشراق ومقولاته وفك الغاز لغة إدوارد سعيد المكثفة والعميقة ومفتتحاً نقاشاً ساخناً حول هذه المسألة الإستشراقية ويقول د. مروان: ما الذي يريده سعيد؟ وعلى ماذا يحثنا؟ أنه يريدنا ان نمتلك الوعي النقدي ونكتشف اننا منغمسين وغارقين في محيط الإستشراق الهائج، ثم يبح صوته برشفة ماء، ثم يشرع الطلبة في مداخلاتهم، البعض من هؤلاء الطلبة تحصل على شهادة الثانوية العامة في السجن ثم نال درجة البكالوريوس في السجن وها هو الآن يسعى ويبذل الجهد لنيل شهادة الماجستير في السجن، ومن هؤلاء الطلبة من كان قد تخرج ويحمل شهادة البكالوريوس قبل إعتقاله وهم قلة قليلة جداً، غير ان الفارق بين جامعة أخرى وما بين محاضرة أو حلقة تعليمية وأخرى هو ان التعليم في الدراسات العليا في سجن هداريم ليس صالون ثقافي وليس محاضرة عابرة بل حلقة علمية قائمة على أساس التثقيف من خلال التعليم المفتوح والنقدي وليس من خلال التثقيف اللاممنهج أكاديمياً وعلمياً، اذ يأتي الأسير الى المحاضرة على أتم الجاهزية من حيث التحضير الجيد للمحاضرة وصياغة الأسئلة وما التبس عليه وساعياً قدر الإمكان في تحييد إنتمائه الفكري والسياسي عن أجواء العملية الأكاديمية، وهذا ما نجح في تعزيزه د. مروان من خلال إشاعته لأجواء التفكير المفتوح وأسلوب التفكر النقدي وتعزيز الوعي بالحرية الفكرية وآليات التفاعل العلمي، مما أدى بالنهاية الى تطوير مستوى الحلقة الأكاديمية والإرتقاء بها نحو مستويات قل مثيلها في الجامعات الفلسطينية، أنه تعليم مسكون بالنقد والتفاعل وهو نقيض للتعليم البنكي الإيداعي التعسفي، أذ ان الطالب في حلقة الدراسات العليا في هذا السجن شريك فاعل وكامل في العملية التعليمية وليس منفعل بها فحسب، فان يجلس إنسان في أوج الصيف الحارق أو البرد القارس وتحت المطر لكي يناقش ويقرأ الإستشراق أو تكوين العقل العربي دون أدنى تذمر أو تأفف وبإقبال شديد وتفاعل كبير فان هذا يعني ويعبر عن مدى نجاح العملية الأكاديمية في هذا السجن.
والآن تنتهي المحاضرة التي ينوه بأخرها د. مروان للطلبة بضرورة الشروع بأداء أبحاثهم وتقاريرهم للمساقات المختلفة، حيث ان التعليم الأكاديمي لا يستند فقط الى محاضرات الأسبوع حيث تمتد أربع ساعات ونصف كل واحدة منها، بل ان إعداد الأبحاث بواقع بحث لكل مساق مع عدة تقارير لكل مساق مما يعزز الأجواء الأكاديمية الجادة والشاقة في نفس الوقت، فكل طالب ملزم بإعداد الأبحاث والتقارير وقبل ذلك إعداد خطة البحث وعرض الموضوع على د. مروان لكي يوافق ويشرف عليها بدوره، ثم يشرع الطلبة بإعداد المصادر والمراجع لهذه الأبحاث، ولو قدر لعشرات الأبحاث ان ترى النور خارج أسوار وعتمة وظلمة السجون لأصيب الناس من الخارج والمختصين وكبار الأكاديميين بالمفاجئة من حجم ونوعية وعمق الأبحاث التي يعدها الطلبة خلال الفصل الدراسي الذي يمتد لأربعة أشهر مع الإشارة الى أنه لا يوجد يوم واحد تعطيل خلال الفصل، ونسبة الحضور 100% على مدار كل الفصول ، وبعد إنتهاء الطلبة من كتابة أبحاثهم وتقاريرهم يجري مناقشتها في الحلقات الدراسية وإبداء الملاحظات عليها، إنها أجواء حافلة بالكد والجد والمنافسة والحماس الذي يستمده الطلبة من حلمهم لنيل شهادة البكالوريوس أو الماجستير داخل المعتقل، كما يستمدونه أيضاً من د. مروان البرغوثي الذي لا يفصح عن أدنى علامة إرهاق أو تعب أو ملل بل هو الذي يقوم بشحذ همم الطلبة وتشجيعهم على التعليم بعقلية مفتوحة على النقد والتفاعل والإيمان بحرية العقل والفكر ليتخرج من هذه الإجواء عشرات الطلبة في الدراسات العليا، تتمتع غالبيتهم الساحقة بمستوى رفيع أبهر كثيرين ممن دخلوا هذا السجن من الأكاديميين.والآن في نهاية الفصل الأول لهذه الدفعة 2018-2019، فان الأجواء خريفية باردة والطلبة يجلسون على المقاعد لمحدودية عددها لان ما يسمى بمصلحة السجون كانت قد سحبت المقاعد المتوفرة لدى الأسرى، كما قامت بعملية سطو على جزء من كتبهم بحجج واهية لا تقوى على إخفاء نيتها التعسفية الرامية الى محاصرة وحرمان الأسرى من التعليم، إلا ان الأسرى صامدون في وجه هذه الإجراءات وفي وجه البرد القارس وقيض الصيف وهم يمارسون حقهم في التعليم ويصرون على المواصلة والإستمرار حتى ولو بلل المطر دفاترهم وجملهم ومداخلاتهم وملاحظاتهم، يبللهم لتتفتح عقولهم وليزهروا ورداً ورياحين وكما قال لهم د. مروان في المحاضرة الصيفية الأولى : “بالتعليم والثقافة نمارس بعضاً من حريتنا وهو مشروع داخل السجون وجزء من مقاومة المحتل ومن مقاومة الاستعمار وهو صيغة لتعزيز الصمود والثبات وانتصار الارادةوتحويل المستحيل الى ممكن” لقد حققت تجربة التعليم الواعدة والريادية حلماً لمئات الأسرى المحرومين وهي تخضع لنظام صارم في هذا السجن وتطبق القواعد الأكاديمية بأعلى معاييرها حفاظاً على الأمانة والمسؤولية، وفي هذا الإطار لا بد من توجيه التقدير والشكر والإجلال لجامعة القدس التي فتحت نافذة من الحرية ودقت هذه الأسوار وفتحت فيها ثغرة أمل لكل من يعمل فيها ويسهم في هذا البرنامج الذي لم يكن ليتحقق ويحقق هذه النتائج العظيمة لولا جهد إدارة الجامعة وعلى رأسها البرفسور الأستاذ د. عماد أبو كشك ود. حنا عبد النور ود. آمنة بدران ود. زياد عياد، وتعاون دائرة القبول والتسجيل وكافة الدوائر، ولا بد من شكر الحملة الشعبية لإطلاق سراح القائد المناضل مروان البرغوثي وكافة الأسرى، على دورها المحوري والأساسي في إنجاح هذه العملية التعليمية وفي رعاية الأسرى بشكل عام.

مقالات ذات صلة