مقالات

رُكام

كتبت: كيندا زنابيط

أسفل الرُكام، عيناها كانت ترى بصيص ضوء، وفي ذات الوقت كان متلهفة لرؤية ذات الشئ من الأمل، تماماً كأمنيات شعبها بحرية بعد جبروت طويل من بني صهيون… وبعيون لم ترَ سوى غباش وضوء خافت بدأت تسترجع ذكريات الماضي تجمعت دموع لم تنهمر إلا لدمية فقدتها بعد استيقاظها صباحاً..

إلا أنها كانت تسترجعها بعد دقيقتين من بحثها عنها.. إما اسفل السرير أو جانبه! لكن في تلك اللحظات أسفل الركام، دام هذا الفراق مدة أطول وأطول! أغمضت عينيها، أو عيناها لم تفرق.. فكلا المشهدين واحد…

راحت ذاكرتها تستعيد مشاهد ظنتها لن تنتهي، لكنها فعلت! في المرة الأولى، رأت أمامها مائدة وأفراد عائلتها حولها ينادونها للطعام وسط شجارات إخوتها وصوت أخيها المرتفع في مراجعته لاختباره وحفيف ورق الجرائد في يدي والدها وطقطقة الملعقة في كف والدتها بكؤوس الشاي الزجاجية… “هل ماتوا؟”

ارتعد والدها عند اقتراب طفلته الصغيرة منه”من؟!” أجابها باستغراب “الملاحقين” ابتسم والدها لدهائها وقال “للأسف، امسكوا بهم فجر هذا اليوم”

“مؤسف” هادئه نبرتها كانت فجأة، فتحت عينيها الزرقاوتين لتجد كل شئ كما كان في بدايته، إلا أنهما أُغلقتا مرة أخرى لعلهما يجدان ما يسرهما. “الكهرباء لم تعد منذ ست ساعات، أي مهزلة هذه؟” صاح أخوها “أهدأ يا بني، لسنا وحدنا من نعاني” “لا استطيع الدراسة يا أمي، كيف اهدأ؟!”

أكمل جملته الأخيرة راكلاً ألعاب شقيقته المتناثرة على الأرضية “حنان، أسف لم أقصد” قال بحنية “لا بأس” أجابته بهدوء أثناء القيام بلملمة ما ركله “ليتك تعلمين أخي رائد كيفية الهدوء يا حنان” قال أحد التوائم الثلاثة الجالسين على الأريكة “أخرس” صرخ ارتسمت ابتسامة خفيفة أسفل الركام، لأول مرة ترى هذه الشجارات ممتعة ومسلية لا مزعجة كما كانت تنعتها دائماً. مرة ثالثة، “أمي، قال رائد أنه يحتاج إلى بعض الدوسيات، دعينا لا ننسى” “أجل” لم تكن حنان مكترثة لكلام أمها وأختها بقدر ذلك البناء المهدم على بعد عشر أمتار من جانبها…

تردد في عقلها ما قاله المذيع الصباح السابق “صواريخ عدة دمرت مبانٍ سكنية قبل قليل مع عدد من الوفيات بلغ خمس أشخاص، وعشرات الإصابات”

“يا إلهي احمنا” قالت أمها مسرعة من أمام ذلك المبنى خائفة من مشاعر ابنتيها تجاه هذا المنظر شيئاً فشئ، ازداد لهاث بطلة قصتنا أسفل الركام، وقطرات الدموع الخائبة الخائفة قاطعت هذه المشاعر ذكرى جديدة…

“أبي، ماذا يفعلون في الجهة المقابلة؟” تساءلت حول تلك الحشود الصارخة بعبارات تملؤها القوة والإرادة “هذه تسمى مسيرة، طريقة مسالمة للمطالبة بما يريد الناس” أجابها والدها الذي كان يحملها فوق كتفيه “بماذا يطالبون الأن؟”

“بالرحمة” لم تفهم حنان مقصد أبيها جيداً إلا أنها قالت “أبي، هل تعرف ما أمنيتي؟” “ما هي؟” “أن تكون فلسطين كباقي الدول” لطالما كانت حنان تلك الطفلة التي تبهر الجميع بمدى نضجها “هل تعرفين ماذا أرى فيكِ؟” “ماذا؟” أجابته متلهفة “شخصية فلسطينية تناضل لنيل الحرية” “لست طبيبة كأخي رائد؟”

“كلا، أرجوك، لست بذاك الصبر لاتحمل تذمر اخر كتذمر هذا الوغد” تعالت ضحكة حنان لكلام أبيها، فتبعها أبوها بهذا قائلا بين قهقهاته “كم أحب ابتسامتك يا بنيتي، كم أحبها!” ارتجافاتها قد ازدادت عن سابقاتها، فالظلام قد بدأ يخيم على أرض غزة ليختفي حتى الضوء الخافت الذي كانت تراه، إلا أن مخيلتها كانت و ما زالت تنير بذكرياتها! قبل قليل فقط، كانت العائلة ملتفة حول المدفأة تتخلل أنوفها رائحة الكستناء والبطاطا الحلوة…

“أمي، هلا اسرعتي؟ الرائحة رائعة” نادى أحد اشقائها التوائم “حسناً، حسناً” بعد مرور عدة دقائق فقط عادت الأم حاملة بين يديها صينية مليئة بطعام الشتاء قائلة “يبدو أن هذه المرة ألذ من سابقتها…

“لكن تلك الأم لم تكمل جملتها كما أرادت.. فالصواريخ قد أخرستهم، وأعمتهم، ثم فرقتهم جميعاً! ذكراها الأخيرة هذه كانت أسفل الركام قبل أن تغلق عينيها مهزومة بصراعها ضد جفنيها وآلامها! لن أكمل! لن أكتب لكم مصير طفلتنا! دعوا مخيلاتكم تفعل.

مقالات ذات صلة