مقالات

أدباء الفيس بوك في عصر فوضى الكتابة

الكاتب والشاعر: شريف محمد جابر

عادة ما يقترن أدب الفيس بوك برداءة الأسلوب والمحتوى؛ لأنّه يرتبط في حسّ المهتمين بالأدب بالتعجّل في إلقاء الخواطر، وبازدحامه بالمبتدئين في مجال الكتابة، إذ لا شروط للنشر هنا، ويمكن للخاطرة أن تنطلق من فوهة الذهن إلى صدور آلاف المتابعين في ثوان معدودة! ولكنّ عصرنا المتسارع هذا أتاح التعجّلَ ونشر النصوص الرديئة في كل وسائل النشر، سواء كانت مواقع إلكترونية أو حتى كتبا ورقية مطبوعة، فجميعها لم تعدْ حكرًا على من أثبت جدارته الأدبية ونال قلمُه استحسان متذوّقي الأدب ونقّاده. ونحن نرى اليوم كيف تخرج إلى معارض الكتب كل عام مئات العناوين لشباب عربي، بعضها مكتوب بالعامية أو بعربية رديئة مليئة بالأخطاء.

من هذا المنطلق، أحببت كسر هذه الوصمة التي ارتبطتْ بأدب الفيس بوك. أحببتُ أن أبيّن بأنّ مكان نشر النصّ الأدبي ليس هو معيار الحكم عليه، فقد تجد نصّا رديئا سخيفا منشورا بطبعة ورقية قشيبة وحضر توقيعه المئات! وفي المقابل، قد تجد نصّا مندسّا في حساب فيسبوكي مغمور، ولكنه ينافس أفضل نصوص كبار الأدباء العالميين! وقد أحببت في هذه التدوينة التعريف بنماذج لأدباء قدّموا أدبًا جميلًا ساحرًا، والمشترك بينهم جميعًا أنهم نشروا نصوصهم في صفحاتهم الشخصية على فيس بوك. لم تزرْ نصوصهم معارض الكتب، ولم تتهافت الكاميرات لتلتقط مشاهد توقيعهم لأعمالهم الجديدة! لقد عشت تجربة قراءة أدبية جميلة مع نصوص هؤلاء الأدباء، سبرتُ أغوارها وعايشت مفرداتها ومشاعرها وصورها بقلبي وعقلي، فرأيت أن أدلّ على معالم الجمال في نصوصهم انتصارا للأدب الجميل، حتى لو اختلفتُ مع آرائهم في بعض ما يكتبون.

علي فريد.. التاريخ يحتشد هنا

عرفتُ علي فريد قبل ولوجي إلى عالم الفيس، وتحديدًا قبل نحو اثني عشر عامًا في أحد المنتديات الأدبية في القسم الخاص بالشعر. عرفتُه أولا شاعرًا مولعًا بالعزف على بحر الخفيف الذي أُحبّه كثيرا. كان شعره مزيجا من أنفة المتنبّي وعنفوانه وتقافُز البردوني وديناميكيّته، ولكنه أضاف إليه من روحه وتجربته ما جعله شعرا فريدًا بحقّ. أحببت كثيرا قصيدته “هذيان بائع الدموع”، وجدتُ في اختناقها شيئا يشبهني ويخفق له قلبي، ولشدّة ولعي بها جعلتها مادة لدراسةٍ كتبتها في نهاية مرحلة البكالوريوس في الجامعة!

عِمْ مساءً يا بائع الليلِ دَمْعَه ..  كلُّ رأسٍ يُثَبِّتُ الآن وَضْعَهْ

عِمْ مساءً، أراك تصنعُ شيئاً .. غير ذاكَ الذي تمنيتَ صُنْعَهْ

كلُ يومٍ لكَ انهيارٌ جديدٌ .. فيه تنهدُّ قطعةً بعد قطعةْ

تمتطي أعنفَ القضايا وتأتي .. لابساً من صُراخِكَ المرّ خِلْعَةْ

هكذا كان يغنّي شاعرنا بنفَس يُظهر الهمّ الكبير الذي كان يحمله. كان أديبنا عليّ يكبرني بأكثر من عقد، وكنت دائم الاستشارة له في شؤون الشعر والأدب. كانت تلك أيام جميلة يخفق بها القلب فينزف قصيدة، ولكنها سنوات انطوت، وجاء بعدها عهد الجفاف الشعري، وزمن الثورات والآلام والأشجان.

لن أتحدث في هذا المقام عن علي فريد شاعرًا، وإنْ كان شاعرًا في كل ما يكتب، فمعظم من عرفه في الفيس بوك لا يعرفه شاعرا بل ناثرا، يلقي نصوصه المتفجّرة ويمضي. كان أبرز تلك النصوص في نظري نصّ بعنوان “على مشارف التيه”، وهو نصّ عبقري يلخّص التجربة الوجدانية التي كانت تعيشها الأمة في ذلك الوقت. يلخّص الألم والأزمة الحضارية التي تجلّت كنصل في صدورنا جميعا منذ بدايات انكسار ثورات الربيع العربي، وبعد مأساة “رابعة” تحديدا، تلك التي أعادت صياغة قلوبنا من جديد!

أبرز ما في هذا النصّ هو ذلك الحشد الكثيف لرموز التاريخ وأيقوناته وأحداثه، ثم إعادة جبْلها بأحداث واقعنا المعاصر للتعبير عن الكارثة التي نعيشها. هذه هي “الشيفرة” التي عزف عليها علي فريد في نصوص تالية أخرى ببراعة منقطعة النظير من غير أن يفقد بريقه. اختلفتُ مع علي فريد لاحقا في بعض الأمور الفكرية والسياسية، ولكن ظلّتْ له في القلب مكانة الأديب والمعلّم، ومكانة الشاعر الذي أنشد:

عربدَ الليلُ في الربوعِ، ولكنْ .. ربما تَخْنق الدياجيرَ شَمْعَةْ

وظلّت له مكانة الشاعر الشفاف المنطلق الذي أنشد يومًا:

إنني شاعرٌ أريدُ حَياتي .. مثلَ ومضِ السنا جَمالاً ورَوْعةْ

كان يحثّني على مزج الأدب بالفكر كي يكون مؤثّرا، وكنت أخالفه في هذه النقطة تحديدًا. كانت استجابته لأوجاع ما بعد رابعة وتراجع الثورة السورية مختلفة عن استجابتي؛ تفجّر هو أدبا لاذعا يخبط كالساطور، أما أنا فقد دفنتُ مشاعري ونقمت على الأدب الذي يتدخّل في الفكر والشرع والسياسة.

كنت قد أخذتُ على نفسي طريقا رأيتُ فيه أنّ مقام الفكر والشريعة والسياسة لا ينبغي أن يخالطه الأدب الجميل بعنفوانه وعزفه على أوتار المشاعر. فالأدب عندي تعبير عن تجربة شعورية ينزفها الأديب حروفًا من جمال فتُفجّرُ الصور والمشاهد والعواطف في قلوب القراء. وهو سلاح ذو حدّين، يستخدمه الشيوعي والرأسمالي، والخارجي والسنّي، فيجعل من خطابه حقّا جديرا بالاتباع لأنّه عبّر عنه بشكل جميل مستفزّ للعواطف!

الأدب عندي هو خطاب النفس إلى النفس، ولا بد للإنسان من التعلّم من تجارب الآخرين ومشاعرهم، حزنهم وبكائهم، فرحهم وانطلاقهم. أما المواقف الفكرية والشرعية والسياسية فلا يناضل عنها إلا البرهان المحكم والدليل المتماسك. وحده القرآن هو الذي استطاع أن يخاطب العقول والوجدانات في آنٍ معًا بغير ابتعاد عن الحجة والبرهان، بمنطق فريد لا يستطيعه أحد من البشر، وهو أحد أسرار إعجازه.

ستظلّ مع ذلك لعلي فريد في القلب مودّةٌ رغم كل خلاف فكري ومهما احتدّ هذا الخلاف، وسيظل له فضل الأديب المعلّم، الذي ولد شاعرًا وسيظلّ شاعرًا في كل شيء. وسيظلّ صوتٌ جهوريّ في أعماق نفسي يصدح بهذه الكلمات لعلي فريد:

“حسناً أيها السادة .. نحن الآن على مشارف التيه .. مشارف الخروج منه .. وليس الدخول فيه!! ها نحن ننفض عن أجسادنا غبار ترابه .. وعن نفوسنا ظلامَ دهاليزه .. وعن أرواحنا علائقَ دروبه .. وعلى مرمى البصر .. يلوحُ -كالسراب- {مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}. وثبةٌ أو وثبتان .. وينتهي الأمر!! لقد كان تيهاً طويلاً مظلماً .. ألقانا فيه نابليون منذ ما يزيد على مائتي سنة .. وأخرجنا منه السيسي منذ ثمانية أشهر!!”.

هالة الجندي.. الكتابة بحبر القلب

لم أعرف هالة الجندي ككاتبة على صفحات الفيس بوك إلا حديثًا، قرأت لها منشورا وأدركتُ فورا أنني أقرأ لأديبة تجيد الكتابة بحبر القلب وبحرف جزل فصيح. حينئذ ذهبت فورا إلى المنشورات السابقة لأقرأ ما جادتْ به قريحتها، فاطلعتُ على نصوص تقافزت معها عواطفي، وأخرى انتزعتْ الابتسامة من وجهي الذي كانت ملامحه قد تصلّبتْ، ونصوص أخرى أبكتني بحق، كانت تلك الأخيرة هي التي كتبتها في شقيقها الذي استشهد قبل سنوات في سوريا.

“الكتابة بحبر القلب” هي كلمة السر إذن، فأديبتنا تُحسن التعبير عن حالتها الشعورية تجاه الأشخاص والأشياء والأحداث بقلم سيّال وعربية جزلة ونفَس رسالي لا يخفى مهما أنكرتْه. ولعل أكثر ما لفت نظري من طرائف أدبها تلك النصوص التي كتبتها كسورية تعيش في مدينة الزقازيق المصرية، والتي عبّرت من خلالها عن كرهها للعيش في تلك المدينة، حتى جعلتنا كقرّاء نشاركها هذه المشاعر تجاه مدينة لم نزرْها!

هكذا كتبت أديبتنا هالة وهي تخاطب مدينة الإسكندرية تشكو لها معاناتها في الزقازيق، كما لو كانت الإسكندرية فتاة تصغي إليها: “مشكلتي يا أليكس أنني نشأت في مدينةٍ رائعة الجمال، اسمها حمص، حمص العدية، يلقبونها بأم حجار السود، لا أدري إن سمعت بها قبلًا لكن غوغليها إن شئت، لو عاينت حسنها يا أليكس لعذرتني، لو رأيت جمال أحيائها وطرقاتها حين يكسوها الثلج أو يغسلها المطر، فتغدو كحسناوات جزيرة يمرحن في الماء وتتحدر قطيراته عن أكتافهن وظهورهن الناعمة.. شوارعها وأبنيتها المنظمة، أشجارها ومزارعها، ونهر العاصي الذي يخترق قلبها ويهمس لها بأعذب كلمات الحب عند شروق الشمس والغروب، فتتورّد خجلًا وتتألق تيهًا ودلالا.. ثم لو رأيتها كيف صارت وكيف شاخت بغتة؛ لتقطع قلبك عليها.. وعليّ ..”.

أمّا خواطرها حول شقيقها الشهيد فهي نزفٌ حقيقي بروحانية عالية، حزنٌ مغلّف بالوجع، ولكنه في نفس الوقت ينطوي على قلب يشعّ إيمانا وتفويضا وتوكلا.. قلب قد فتح ذراعيه أخيرا لاحتضان الحياة بكامل قسوتها، وتجاوز الماضي بكامل ذكرياته الأليمة.

ولعلّ أحد أشجى نصوصها في شقيقها رحمه الله هو النصّ الذي قالت له فيه: “أود أن أزفّ إليك خبرًا طال انتظاره .. أظنني قد شفيت منك”. وهو نصّ على وجازته مشحون بالمعاني والتجارب، يلخص سنوات طويلة عاشتها الأديبة تحاول تجنّب فتح صندوق ذكرياتها مع شقيقها الشهيد الذي يصغرها، وإذا بها أخيرا تنفجر عن حرف مثقل بالوجع، ولكنه في نفس الوقت ممتلئ بالإيمان، فقد اختارت أديبتنا أخيرا ألا تظلّ ذكرى شقيقها خنجرا بين أضلعها تنزف منه الدم، بل صار – كما تقول – “وردة في صدري لا يزعجني حضورها ولا يؤلمني غيابها”، أو “غيمة صيفية لطيفة تعبر سمائي بخفة دون دمع.. دون هطول”.

تتقن أديبتنا إجبار القارئ على مشاركتها مشاعرَها، فقد كنا معها جميعا وبكينا جميعا في هذا المشهد الذي تخاطب فيه شقيقها: “كنتُ في العيادة أنتظر دوري للدخول، فجاء طفلٌ في الخامسة من عمره وقد ارتدى وجهك وملامحك، ولم ينس أن يستعير منك ذلك العرق الأزرق الكامن أسفل حاجبك الأيسر.. رأيتك، كنت هناك أمامي طفلاً، لكن هذه المرة بكيت”.

تحاول هالة في نصوصها الأخيرة اجتراح سردية جميلة تدور بين شخصيّتين خياليّتين هما “بنلوبي” و”لوكا”، كتبتْ منها حتى الآن ستّة نصوص، وهي نصوص مترعة بالجمال، أجادت فيها الحديث عما يخطر لها من تأملات وتجارب في النفس والحياة، في قالب أدبي طريف حينا ومؤلمٍ أحيانا. وإذا كان لنا أن ننتظر شيئا في نصوص أديبتنا القادمة فهو نفَسها الرسالي في ما تكتب من خواطر ورسائل متخيّلة وسرد، فهذا النفَس الرسالي الملفّع بنصّ يتفجّر جمالا هو أجود ما يمكن للأدب أن ينتجه، فلا عبثية هنا ولا تهتّك، ولكنْ في الوقت نفسه لا مواعظ ولا توجيها رتيبا للقيم الأخلاقية.

ولعلّي أستدرك هنا على نفسي فأتنازل عن انتظار الرسالية هذا، فهو غير لائق في مقام “الأدب” بالمعنى الفنّي والأخلاقي للكلمة؛ فالرسالية التي أبصرناها في نصوص أديبتنا ليست سوى نبض ذاتها كمسلمة مؤمنة كما نحسبها ولا نزكي على الله أحدا.

حمزة أبو زهرة.. قاطف الكلمات من كرْم الجمال

لا أظنّ أنّ أديبنا الجميل حمزة أبو زهرة يعلم أنّ نصّه في كثير من خفقاته يشبه كثيرا نصّ الحكيم الترمذي. حين قرأتُ الحكيم الترمذي في وجدانيّاته وابتهالاته قبل نحو عام أو عامين شعرت أنني قرأتُ هذا النبض، لقد كان حمزة يخفق به على صفحات الفيس بوك! تلك المفردات الجزلة القادمة من سبائك التراث، ذلك الابتهال الروحاني العالي، إنه تماما ما تميّز به قلم أديبنا حمزة أبو زهرة.

“يا حبيبي”.. هكذا يهتف قلبُ حمزة وقلمه لقارئه، هكذا يكسر كل حواجز النصّ فيجذب القلوب مهما كانت قاسية. “يا حبيبي”.. يكررها مع مطلع كل جملة فتلينُ القلوب وتطمئنّ، تشعر أنّ النصّ شيخٌ حكيم آخذٌ بمجامعها إلى درب الرشاد والهداية، إلى عالم من دفء وصفاء ودنيا من نور وسكينة.

هكذا كان حمزة ينصح صديقه في مقام “وعظ”، ولكنه تالله خلع ثوب الوعظ وارتدى حلّة من البهاء: “يا حبيبي؛ إذا جففت الشمسُ البحرَ لم تجفف عاطفة المرأة، لا يجففها إلا زوجٌ باردٌ بليدٌ؛ بنفسه مشغولٌ مشغوفٌ وعن امرأته صادفٌ مصروفٌ، وإنها إن جفت اليوم بقسوة غفلتك لم تغثها غدًا سماوات يقظتك، يا حبيبي؛ من فرط في الحب طوعًا واختيارًا حُرِمَه قهرًا واضطرارًا، يا حبيبي؛ هل جزاء العناية إلا العناية؟! يا حبيبي؛ أنت بزيادة الرعاية أحرى، يا إلهي! من أمن المحبة أساء الوصال”.

ثمّة همّ رساليّ في كل ما يكتب أديبنا الجميل حمزة، ثمّة مسؤولية في اختيار الموضوع، ولا يخلو الأمر من خواطر الشاب المتدفّق حيويةً، والذي نتحسس نبض ذاته ولطافة روحه من بين مفرداته العالية ولغته المسبوكة بإحكام. وحين يكتب عن شريحة واسعة من الشباب في أمّة تعيش حالة ثورية في بلدان مختلفة، حيث يبيتون في ميادين الحرب والقتال، يصوغ قلمه رسالة متخيّلة من مجاهدٍ لزوجه، وهي رسالة تفيض رقّة وعاطفة، يحكي فيها أوجاع هذه الشريحة من الشباب ويلامس همومهم.

يقول لها على لسان الشاب المرسل: “حبيبتي؛ عَلَقَة تماسِّنا ببطنكِ هي بقيتي فيكِ الباقيةُ من بعدي؛ ولدُنا مضغتُنا؛ حملُكِ به يشبه اعتناءكِ بي نائمًا، رضاعتكِ له تحاكي برَّكِ بي يقظانًا، أما تأديبكِ إياه فثغرٌ كتب الله لكِ كفايته وحدكِ، فإن يكن ذكرًا فألحقيه بحنظلة غِسِّيل الملائكة، وأخبريه أني ما خرجت إلا لما خرج له سيدي رضي الله عنه، وإن تكُ أنثى -“وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى”- فاجعليها مثلكِ أنتِ، لا أريد بها مزيدًا عليكِ في شيءٍ”.

الحبّ في أدب حمزة ترياق لكل شيء، وهو حاضر بقوة ليس في علاقة الرجل بالمرأة فحسب، بل في علاقة الأخوة أيضا، بل وحتى في المطر، يقول في نصّ له بعنوان “فصول من حكاية المطر اللذيذ”: “أما حديث الحب في المطر فذو شُجونٍ، والمحبون في أجوائه ذَوو أحوالٍ وفنونٍ، وأرضى المحبين منه حظًّا أرقاهم إلى رتبة الجنون، وشعر العرب الأقدمين في كل شيءٍ منه أجلُّ وأوسع من اصطفاء حرفٍ منه هنا؛ حتى لأقول: ما أَلهمتْ شعراءَهم مادةٌ كالماء، وللمحدَثين نصيبٌ.

بعض الناس يُكئبه المطر من وجهٍ ويخافونه ويحذرون؛ لكنَّ عامة الخلق يُبهجها من وجوهٍ كثيرةٍ ويأمنون به ويستبشرون؛ بل هو لبعض عللهم الحسية والنفسية دواءٌ لطيفٌ؛ فتبارك الشافي. “لا تقولي عد إلى الشمس .. فإني أنتمي الآن إلى حزب المطر”؛ شيءٌ قاله نزار؛ ألا إن للمطر من الناس أهلين، وإني من حزبه الظِّماء المجانين، أهواه حتى رائحته؛ يا طِيب أنفاس السماء.  أنعِش ربنا بالماء في الدنيا أرواحنا وأجسادنا، واسكُبه في الجنة من فوقنا، وأجْرِه بها من تحتنا”.

ولو أنفقت يومي هذا أنقل جمال حرف أديبنا حمزة المتدفّق حبّا لما انتهيت، فأكتفي بنقل نصّ قصير آخر له: “صباحكَ سكرٌ لا شوبَ فيهِ ** صباحكَ صاحبي عسلٌ مصفًّى يا حبيبي؛ اضمم إليك جناحك من الشوق؛ فإن آنستْ أعطافُ روحي روحَك، وآسَتْ ألطافُ نفسي جروحَك؛ فذانك برهانا قلبي إلى قلبك؛ على ما رسخ فيه من حبك، يا حبيبي. صباحك فوَّاح الشذا، لا بأس عليك فيه ولا أذىً، لك من نعماء الكريم به كذا وكذا”. هذا والله سبكٌ عربي بديع، يطرب له عشّاق العربية ويهشّون، أما الذين يشعرون بصعوبة النصّ فعليهم أن يغوصوا في أعماق العربية حتى تتذوّق نفوسهم هذا النسق العالي الرفيع!

ديما مصطفى سكران.. تفجير التفاصيل

أول ما يلفت الأنظار في قلم الكاتبة السورية ديما مصطفى سكران ذلك الغوص العميق في التفاصيل، وتلك الملاحظة الدقيقة لكل شيء ساكن أو متحرّك في المشهد القصصي الذي تقدّمه لنا أو في سردها الأدبي عمومًا. ولعلّ أحد أبرز النصوص الذي تتجلّى فيه هذه الخصيصة هو “عشر دقائق على متن القطار مع شقراء”. والنصّ كما يبدو قصة واقعية، ولكنه سواء كان قصّة واقعية أو متخيّلة فلن يختلف الأمر، فنحن أمام براعة كبيرة في السرد والوصف، وقدرة فذّة على استدعاء المعاني من التفاصيل الدقيقة بشكل مدهش.

ينتمي أدب ديما إلى الأدب الواقعي، ولكنها لا تتخلّى عن “الرسالة” التي تدسّها بعفوية فيه، وعن إضفاء شيء من السحر على المشهد. فهي لا تكتفي بوصف ما حدث في القطار بين الرجل وزوجته والتوتّر الذي أحدثته الألمانية الشقراء الفاتنة، بل لا تكتفي ببراعة السرد والوصف الدقيق لتفاصيل التفاصيل وتفجيرها بالمعاني والدلالات.. كلا، بل تلتفت إلى القيمة الجميلة التي يبعثها هذا المشهد في نهايته السعيدة:

“على حين غرة مال الشاب الأسمر أنيس الوجه بشفتيه على أذن زوجته وهمس لها بشيء ما مبتسما. ورأيتُ هذه المرأة التي كانت للتو قلقة مرتاعة حزينة تتورد فجأة خجلا وانفعالا بينما ترتسم على ملامحها ابتسامة عريضة للغاية كنست عن وجهها كل القلق وكل الحزن وكل الانكسار. فرحٌ صرف تجسد على هيئة ابتسامة في هذا الوجه الصغير، فرحٌ لو طلب مني وضع تعريف له في المعاجم لاكتفيت بالتقاط صورته على وجه هذه الشابة المتورد”.

ولا تكتفي أديبتنا ديما بتصوير المشهد بهذه الصياغة الجميلة، ولكنها تحاول استنطاق الشخصيات واستكناه أعماق المشهد والخروج بدلالاته فتقول: “يبدو أنها نسيت أمر غريمتها الشقراء تلك، يبدو أنها نسيت ثخانة أصابعها ووجهها الباهت والشامة البارزة في جبينها، يبدو أنها استغنت عن مرآتها المخبأة حين رأت نفسها جميلة في عينيه. لا أدري ما الذي قاله ذلك الزوج لزوجته حقا، لا أدري أية كلمة سحرية جعلت هذه المرأة القلقة المضطربة تشع فرحا وثقة وجمالا واطمئنانا”.

وهنا، لا تقدّم لنا “العبرة” بصورة فجّة ثقيلة، بل تترك للقارئ أن يستنتج وحده، أن يتملّى في خياله ذلك الموقف النبيل للزوج الذي جاهد نفسه وغضّ بصره أولا، ثم حاول طمأنة زوجته التي لم تكن جميلة، ثم أخيرا مال إليها وهمس في أذنها بكلام جميل أسعدها وأخرجها من حالة القلق التي كانت تعيشها أمام جمال الشقراء الطاغي.

إنها صورة من أدب التعامل مع الزوجة التقطتها لنا عدسة الأديبة، وهي في الوقت نفسه تجسيدٌ لواقعنا الحقيقي، فالحبيبان هنا ليسا سندريلا وأميرها الثري الجميل، بل هما زوجان عاديان جدّا، مشهدٌ واقعي محض، ولكنها استطاعت تفجير تفاصيل هذا المشهد بجمال ساحر شفيف كامن فيه، وهو جمال كفيلٌ بالإيحاء بنفس مشاعر الغبطة والسعادة التي يشعر بها قارئو الروايات الخيالية المثالية، ولكنّها مشاعر حقيقية هنا، يمكن أن نعيشها نحن القراء لو تعاملنا بشكل مختلف مع حياتنا وعلاقاتنا العادية جدا والواقعية جدا.

هذه الواقعية المغرقة سمة واضحة في أدب ديما، فهي تعادي في سردها الأدبَ المثالي الحالم، ولا تفوّت فرصة لإظهاره بمظهر الساذج الضعيف تحت ضربات الواقع القاسية. وهناك سمة أخرى تبرز في نصوصها، وهي أنها تقرؤها بحسّ نقدي، بل إنّها تكتب عنها أحيانًا، وهو ما يسمّى في النقد الأدبي Metafiction، أي “ما وراء القصّ”.

ففي نصّ قصير عنوانه “بم أفكّر” تحدّثنا من مطبخ السرد عن التقنيات التي تستخدمها، وعن نوايا الكاتب وما يريد فعله بقصة حبيبين تعلّقا للتوّ. وفي هذا السرد تكشف الأديبة عن أوراقها، وتتعامل مع الشخصيات التي أبدعتها من الخيال كبشر حقيقيّين، تشفق عليهما حينًا وتخطّط لذبح حكايتهما بنصل قلمها حينا آخر. بل تؤخّر إنجاز القصّة، وتتخيّل أن هذه المدّة من اللاشيء هي أوقات رغيدة ستطول فيها قصّة الحبّ الحالمة. وهو ما يؤكّد أنها تعيش مع الشخصيات، وتطلق لخيالها العنان فيتحرّك مع النصّ خارج حدود القصّ التقليدية.

وأخيرا لا يسعني إلا أن أقول إنّ الأدب العربي بخير، وإنّ في هذا الأزرق من جمال النصوص ما يطيب لعشّاق الأدب العربي، ولكننا بحاجة إلى إبراز هذه النصوص وتشجيع قراءتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *