مقالات

العيد خلف القضبان … صناعةٌ للفرحة وسط ركام الأحزان

كرمول- عدي جعار| يرمي أحدهم بكل ثقله على “البُرش” داساً رأسه تحت الغطاء متظاهراً أنه يغط في نومٍ عميق والدموع تحرق وجنتيه تسيل من مآقيه فتبلل وسادته وهو يقلب شريط ذكرياته في مثل تلك الليالي.
يجلس شخصاً آخر في زاوية الغرفة متربعاً واضعاً رأسه بين حِجريه مقوساً يديه في حضنه يمسك بإحداهن صورة طفله الذي بدأ ينطق اسمه بعد اعتقاله فيُمنِّي النفس بلحظة عابرة يشمه ويحتضنه ويقبله ثم ما يلبث دون وعي أن يبدأ بتقبيل الصورة ويمسح بها على قلبه لعلها تبرد شيئاً من النار التي تسري به.
أما أفضلهم حالاً فيتصنع الثبات والعزيمة محاولاً التخفيف عن أخوانه لكنه بغمرة الصمود هذه خانته دمعته، نعم خانته ونزلت !

عامٌ يمر إثر عام وفرحة العيد نستشعر بها وننتظرها يوماً بعد يوم، نشتري الملابس الجديدة، نحضر الحلويات لضيوفنا، نزين أحياءنا ونوزع الابتسامات على من عرفنا ومن لم نعرف، لكنا يوماً ما تساءلنا كيف يقضي الأسرى عيدهم ؟ كيف يمر ذلك اليوم ؟

إفطار جماعي
مع اقتراب شهر رمضان من نهايته تتقدم التنظيمات العاملة داخل السجون بطلب لإدارة السجن من أجل تنظيم إفطار جماعي في الفورة “الساحة” حيث أن هذا الأمر مرفوض بشكل عام لكن الأسرى يُصرُّون عليه ولو لمرة واحدة في الشهر من أجل اجتماعهم على مائدة الإفطار ويأتي القبول حيناً والرفض أحياناً أخرى.

تجهيز الحلويات
قبل أن يحل العيد بثلاثة أيام يبدأ الأسرى بتجهيز الحلويات التي كانت سابقاً تحضر من الخبز فقط لكن في الآونة الأخيرة تواجد السميد سهل الأمر أكثر.
يصنع الأسرى معمول العيد بشكل عام وفي بعض الأحيان الهريسة والبوظة والتمر المغطى بجوز الهند ويتناولوها سوياً بعد أداء صلاة العيد وتناول الفطور.
الفطور

وجبة الإفطار
يحرص الأسرى أن يجعلوا الأجواء داخل السجن تشبه أجواء العيد خارجه إلى حدٍ ما فيحضروا فطور العيد من الحمص المرشوش باللحمة المقطعة قطعاً صغيرة حيث لا وجود لماكنات فرم اللحمة ويضعون أحياناً اللوز المقلي أيضاً من أجل أن يكون إفطار العيد مميزاً عن باقي الأيام.

تزيين الأقسام … بأكياس القمامة !

ويحرص الأسرى على غسل جميع مرافق السجن من أرضيات وأبواب وشبابيك بأجواء يعمها شيء من البهجة المنقوصة، ثم يبدؤوا بتزيين القسم بمكونات بسيطة جداً حيث يتم تقطيع أكياس القمامة السوداء على شكل مثلثات تُربط مع بعضها البعض بواسطة شعلة نار، ثم يجلبون بعض الأكياس الملونة أيضاً يصنعون منها حبالاً للزينة، أما أجمل تلك الأشياء هي شرائهم للأضواء البيضاء “التيبل لامب” ووضعها داخل كؤوس ملونة لتعكس لون الكأس من خلال الضوء الخارج منها !

 رسائل الأسرى
تنتشر في فلسطين البرامج الإذاعية التي تنقل رسائل أهالي الأسرى وتعبر عن شوقهم ومحبتهم وانتظارهم لموعد الحرية بالإضافة لبعض الأمور الهامة كأخبار المحامين والزيارات.
ويعطي الأسرى لهذه البرامج أهمية كبيرة حيث ينصبون أجهزة اللقط على الأشياء المرتفعة ويجلس الجميع وصت صمت تام يستمعون الرسائل ومع كل رسالة تصل لأسير متواجد ضمن الجلسة يبدأ الاحتفال والصراخ بين الأسرى وعند نهاية البرنامج تبدأ حلقة من المزاح والنكات على الأسير الذي لم تصله رسالة من أحد !

صباح يوم العيد

صبيحة يوم العيد يبدأ الأسرى بتجهيز ملابسهم ويسعى كل أسير لإدخال ملابس جديدة خلال الزيارة الأخيرة التي تسبق يوم العيد بينما يأخذ كل أسير ما ينقصه من أخوانه.
في تمام الساعة السادسة ولمدة 45 دقيقة فقط يسمح لكل مجموعة من الأسرى بالاستحمام ثم في تمام الساعة السابعة تبدأ تكبيرات العيد حيث يصطف الأسرى في طوابير يمشون بالساحات وهم يكبرون حتى يحين وقت خطبة العيد.
بعد انتهاء خطبة وصلاة العيد يتبادلون التهاني فيما بينهم ويصبرون بعضهم البعض ثم يتناولوا الحلويات والفطور ويحرصوا أحياناً على تنظيم بعض الفقرات كالسكتشات المسرحية والفقرات الإنشادية والمسابقات الثقافية والرياضية.

أجمل شيء الزيارة بعد العيد يخرج الجميع مشخصين ولابسين الشاباص ومتعطرين مع أنهم فقط يسمعوا صوته دون أن يشموا ريحته ولكنها حالة نفسية فقط.

يما أنا أحمد !

ومن أهم فقرات يوم العيد هي الاتصال والمعايدة على الأهل في الأقسام التي يتوافر بها التلفونات حيث يقسم الوقت بين الأسرى فيعطي كل أسير قرابة خمس دقائق للحديث مع أهله وتهنئتهم بحلول العيد وسط أجواء تعمها الحزن والدموع.
أحمد أبو عواد، أسير من مدينة جنين أمضى بالسجن ستة عشَرَ عاماً وأصيبت والدته بالزهايمر منذ ثلاث سنوات.
يروي الأسير المحرر عبد الله شتات ويقول “كنت رفقته حينما اتصل بأمه يوم العيد ليهنئها وهي ترد عليه “مين إنتا ؟” “مش عارفك؟” وهو يبذل جهداً كبيراً ليذكرها أنه ابنها ويردد “يما أنا أحمد” “ابنك أحمد أنا يما” ولكن دون جدوى …

وفي ختام فقرات العيد يذهب كل أسير في سبيله، منهم من يغط في نومٍ عميق لعله ينسى، ومنهم من يتصنع النوم مخافة أن يرى أحدهم الدمع الحارق على خده ومنهم من يشغل نفسه بقراءة كتاب أما البعض فيبدؤوا بالتخطيط ماذا سيفعلون عندما يأتيهم العيد وهم أحراراً ويرسمون خطط تعويض ما فاتهم من فرحة العيد خلف القضبان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق