الاخبارمقالات

وفاء مهداوي… لا فرحة للعيد في منزل الأسيرة والشهيد

بين شهيد وأسرى، عاش من بقي من أسرة الشهيد الفلسطيني أشرف وليد نعالوة، ووالدته الأسيرة وفاء مهداوي، أجواء العيد هذا العام بشكل مختلف تماماً عن كلّ الأعوام السابقة وما كان فيها من طقوس.

قبل أيام من عيد الفطر من كلّ عام، كانت الأسيرة الفلسطينية في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وفاء مهداوي (56 عاماً) والدة الشهيد أشرف وليد نعالوة “أبو شيخة”، تجتمع رفقة أشرف وابنتيها هنادي وسندس في منزلهم بضاحية شويكة، شمالي مدينة طولكرم إلى الشمال من الضفة الغربية في فلسطين المحتلة. كانوا يعدون كعك ومعمول العيد، استعداداً وابتهاجاً، لكنّ هذه الذكريات تبددت هذا العام، وبات منزلة العائلة أطلالاً بعدما هدمته قوات الاحتلال عقب استشهاد أشرف نهاية العام الماضي، ثم اعتقال والديه وشقيقه أمجد.

كان الشهيد أشرف نعالوة، يشارك والدته وشقيقاته كلّ مراحل تجهيز الكعك والمعمول، وسط فرحة كبيرة، فالعائلة الهانئة تبدأ طقوس عيدها قبيل حلوله، بينما تمثل لمّتها (اجتماعها) فرصة لقضاء أجمل الأوقات، أما الآن فلم يبقَ من العائلة سوى ثلاث شقيقات يحاولن لملمة الفرح الممزوج بالألم، لكنهن لم يصنعن كعك العيد ومعموله، فقد غيّب الاحتلال فرحتهن، توضح هنادي نعالوة في حديثها إلى “العربي الجديد”.

في كلّ عيد أيضاً، كانت العائلة تتبادل الزيارات في ما بينها وتلملم أجواء الفرح، أما هذا العام، فالعيد لدى هنادي كما شقيقتيها، لا طعم له من دون عائلتها وأجوائها الجميلة: “القهر والظلم الشديد باعتقال أمي وأبي وشقيقي وفقدان أخي أشرف أفقد العيد بهجته”. تتساءل: “من نستقبل في العيد؟ أنا عاجزة أمام صدمة أطفالي الذين اعتادوا على جدهم وجدتهم وأخوالهم في العيد، حينما سألوني من سيعايدنا؟ هذا العام لم يدخل الفرح إلى قلوبنا”.

بالنسبة للشهيد أشرف نعالوة، فقد كان مشهوداً له بالفرح بلقاء أطفال شقيقاته في يوم العيد. كان يعشق عالم الأطفال، ويحضّر عيدياتهم، ويكتب لهم مع كلّ عيدية عبارات تحفيزية على بطاقات بخط يده مثل “أنت جميل”، و”أنت ذكي”، و”أنا أحبك”، بل كان يترك الجميع ويلاعبهم كطفل مثلهم.

مهداوي وابنها الشهيد أشرف

ورود الدار الباكية

“لا تبكي يا ورود الدار… ظلك غنّي بغيابه… ولمّا يعود من المشوار… كوني الزينة ع بوابه” هذه العبارة المستقاة من أغنية، والتي كان يكتبها ويرددها الشهيد أشرف نعالوة في حياته، لم تكن كلمات عابرة، بل تشق طريقها لتظهر مدى حب أشرف ووالدته الأسيرة وفاء للورود وزراعتها في حديقة منزلهم، فتحرص الوالدة بمساعدة أشرف قبيل العيد على تنظيف حديقة المنزل المزينة بالورود من مختلف أنواعها، وتجهيزها للمّة العائلة.

تقول شقيقة أشرف، المحاضرة بكلية الصيدلة في جامعة “النجاح” بنابلس، فيروز نعالوة، لـ”العربي الجديد”: “أشرف وأمي كانا زينة البيت ووروده الحقيقية، فهما روح الحياة، تراهما يهتمان بورود الحديقة التي تصل مساحتها إلى نحو دونم واحد، أما الآن فلا معنى للبيت المهدوم من دون أصحابه. هذا المنزل الجميل الذي أنجبت فيه أمي شقيقي أشرف بعد أشهر على انتقالنا للعيش فيه كمنزل جديد، إلى أن هدم مع استشهاده، وبقيت الذكريات والأطلال. نحن نتمنى أن يفرج عن أمي، فعودتها ستعوضنا قليلاً عمّا أصابنا، لكنّها الآن تعيش ظروفاً قاسية”.

حياة أشرف نعالوة كانت مليئة بالحياة، فهو شخص اجتماعي، يحب أهالي شويكة وأقاربه. كان قد التحق بجامعة “فلسطين التقنية خضوري” بمدينة طولكرم، في اختصاص المحاسبة، لكنّه أجّل دراسته، والتحق بدبلوم مهني في كلية “هشام حجاوي” في مدينة نابلس، باختصاص ميكانيك السيارات، على أمل أن يعود إلى الجامعة مجدداً، بحسب فيروز. وقبل أن يعود أشرف للدراسة التحق بعمل في مستوطنة بركان كغيره من طلاب الجامعة الذين يبحثون عن عمل، لكنه استشهد قبل أن يعود إلى مقاعد الدراسة.

فرح رغم القهر

حاولت فيروز هذا العيد لملمة الفرح في العيد، وتؤكد أنّه “عيد لرب العالمين ويجب على الجميع استقباله، بالرغم من غياب أشرف، واعتقال الوالد والوالدة وشقيقها أمجد وزوجها نصر شريم المحاضر بكلية الصيدلة في جامعة “النجاح”. وقد اعتقلوا جميعاً منذ نحو ثمانية أشهر كعقاب جماعي على خلفية تنفيذ أشرف عملية داخل مستوطنة بركان المقامة على أراضي الفلسطينيين في سلفيت، شمالي الضفة، وما زالوا موقوفين من دون محاكمة.

غُيّب الوالدان عن الأجواء العائلية في رمضان والعيد لهذا العام، بينما غيّب أمجد العريس الجديد الذي رزق بطفله ليث قبل اعتقاله بأربعة أشهر وحرم حياة هانئة معه، وأمجد هو الأخ الأكبر والسند. ولم يبقَ من العائلة هنا سوى ثلاث شقيقات (فيروز، هنادي، وسندس)، أما الشقيق الآخر أيمن فهو يعمل خارج فلسطين. وبالرغم من هذه الأجواء حاولت الشقيقات استجماع الفرح في العيد.

أما زوج فيروز، نصر، الذي يعاني منذ اعتقاله، وحرمه الاحتلال من أطفاله الثلاثة، فقد عانى قبلها من اعتقال فيروز نفسها ثلاث مرات قبل اعتقاله. وكانت المرة الأخيرة التي اعتقلت فيها فيروز قد استمرت ثلاثين يوماً عانت فيها من ظروف قاسية في مركز تحقيق، من دون تهمة، وما إن خرجت حتى شهدت على اعتقال زوجها وأبيها وأمها وشقيقها أمجد واستشهاد شقيقها أشرف وهدم منزل العائلة.

مشهد تلفزيوني من محاكمة مهداوي

معاقبة أمّ الشهيد

تطالب سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحكم رادع لوالدة الشهيد أشرف نعالوة، الأسيرة وفاء مهداوي، المعتقلة حالياً في سجن الدامون الإسرائيلي، في سابقة، والمطالبة بإصدار حكم لخمس سنوات وغرامة مالية 50 مليون شيكل (14 مليون دولار أميركي) إذ يسعى الاحتلال لإدانتها بعلمها بنية ابنها تنفيذ عمليته في مستوطنة بركان التي قُتل فيها مستوطن ومستوطنة وأصيب آخر في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2018، والإهمال بعدم الإبلاغ عن ابنها أشرف، لكنّ العائلة تتمنى تدخّل المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية منها لمنع ذلك.

تقول فيروز: “نحن نتمنى أن تعود والدتي لتكمل معنا حياتنا. ما يطلبونه مضحك، وغير منطقي، والدتي لم تكن والدة الشهيد الوحيد الذي نفذ عملية، هم يعاقبونها لعدم منعها ابنها من تنفيذ عملية. هي تحب ابنها وتألمت كثيراً عليه، وهي تحب الحياة، وكابدت في تربية جميع أبنائها وتعليمهم في الجامعات”. تؤكد فيروز أنّ ما يطلبه الاحتلال ظلم كبير، إذ لم يكن لدى والدتها أدنى شك وعلم أنّ ابنها أشرف سينفذ عملية، خصوصاً أنّه من دون انتماء سياسي، وهو شاب مفعم بالحياة. تتابع: “عاشت أمي ظروف تحقيق قاسية استمرت نحو 40 يوماً، وأجبرت على اعتراف خاطئ تحت التعذيب والتهديد، وهم يعرفون أنّه انتقام منها فحسب… قتلوا ابنها، وهدموا بيتها، واعتقلوا أفراد عائلتها، فماذا يريدون بعد ذلك؟”.

تعاني الأسيرة وفاء مهداوي ظروف اعتقال صعبة وقاسية، بدءاً من التحقيق الذي خضعت له عقب اعتقالها، ثم حزنها وألمها على فقدان ابنها أشرف (استشهد بعد 65 يوماً من العملية عقب مطاردة طويلة) واعتقال زوجها وابنها أمجد، وهدم منزلها، وقلقها على بناتها، علاوة على معاناتها خلال نقلها بالباص وتعمد إهانتها، وحرمانها من الطعام، ومن الغطاء طوال أيام البرد الشديد. هي في حاجة إلى دعم معنوي والتركيز على قضيتها بشكل واضح، كما أفادت بذلك أسيرات محررات التقين بها داخل سجون الاحتلال.

ضغط المستوطنين

غسان مهداوي، شقيق الأسيرة وفاء، يشدد في حديث إلى “العربي الجديد” إلى أنّها المرة الأولى التي تجري فيها محاكمات لعائلات منفذي العمليات بهذه الطريقة، فالاحتلال تعمد الانتقام وأن تدفع عائلة نعالوة الثمن، بل طاول هذا الانتقام كلّ من له علاقة بتقديم المساعدة لأشرف، حتى وصل عدد المعتقلين على خلفية قضية تنفيذ أشرف عمليته إلى نحو 40 شخصاً.

وعائلة نعالوة مرت بظروف تحقيق قاسية، ووجه الاحتلال إليها لوائح اتهام مبنية على الظن والشك، بالرغم من وجود بند في القانون الإسرائيلي يؤكد على خصوصية الوالدين أثناء المحاكمة، كما يؤكد مهداوي، الذي يشير إلى أنّه في حالة والدي أشرف لم يتم الأخذ بهذا الاعتبار، وبنيت لوائح الاتهام على الشك والإهمال، مطالبين العائلة والوالدين أن يبلغوا جهات إسرائيلية عنه، وهم لا يعرفون إطلاقاً أنّ أشرف كان ينوي تنفيذ عملية.

يشير مهداوي إلى أنّ هناك ضغطاً من المستوطنين على المحكمة الإسرائيلية لردع والدة الشهيد وإدانتها، إذ إنّ الانتقام من عائلة أشرف واضحة، خصوصاً أنّ والد المستوطنة القتيلة في العملية التي نفذها أشرف يعد أحد قادة المستوطنين وله تأثيره في دولة الاحتلال، فيما تخشى العائلة إصدار حكم تدفع فيه، وفاء مهداوي، ثمناً باهظاً، في جلسة محاكمتها المقبلة والتي لم تحدد بعد. تأمل العائلة تدخل المحاكم الدولية لأجل ذلك، إذ يقول مهداوي: “نحن مستعدون للتعاون مع أيّ جهة تريد التدخل لأجل إنقاذ وفاء، ودحض كلّ العقوبات الجماعية بحق عائلة الشهيد أشرف، فما يجري بحق وفاء يتطلب تدخلاً رسمياً فلسطينياً وحقوقياً سواء على الصعيد المحلي أو الدولي”. يُذكر أنّ سلطات الاحتلال تعتقل في سجونها، وفق نادي الأسير الفلسطيني، 45 فلسطينية، من بينهن 20 أماً وأسيرتان اثنتان من أمهات الشهداء.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة